|
الشفع في اللغة ما جعل غيره زوجاً أي كان وتراً فشفعه
فصار ضد الوتر ، والشافع لغة هي الشاة معها ولدها ،
والشفاعة هي تدخل طرف لدى طرف آخر ليتجاوز عنه سيئته أو
لتحقيق مصلحة وخير والشفاعة نوعان: شفاعة في الدنيا بين
البشر أنفسهم فيجلبون بها نفعاً أو يدفعون بها ضراً،
وشفاعة في الآخرة وهي المقصودة بهذا التعريف ، وشفاعة
الآخرة ما هي الإ رحمة من الله ولكنها تأتي عن طريق بعض
خلقه تكريما وتشريفاً لهم ولبيان مكانتهم وجاههم عند
الله تعالى وهؤلاء كالملائكة والرسل والصديقون والشهداء
والصالحين وغيرهم من يرتضي الله شفاعتهم.
ولا بد لنيل شفاعة الآخرة من أن يموت الإنسان وهو مؤمن
بوحدانية الله تعالى ربما يتوجب الإيمان به ( أركان
الإيمان الستة) ولا بد من وجود الإذن من الله تعالى وإلا
فلا شفاعة " من ذا الذي يشفع عنده غلا بإذنه " ولا بد من
انتفاء موانع الشفاعة كما سنبينه إنشاء الله ، ولا بد
أن يكون الشفيع صاحب قدر عند الله ، ومن الأمور المبشرة
أن الشفاعة تنال كل من في قلبه إيمان ولو بوزن ذرة فتمسك
يا أخي بإيمانك فإنه طوق النجاة يوم الحساب .
ولا يشك مسلم بأن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وعلى
آله هو أكرم الخلق عند الله و أوسعهم جاهاً عنده وارفعهم
مكانة عنده ولذا منحه الله خمسة أنواع من الشفاعة ،
أولها الشفاعة العظمى وتكون لإنقاذ الناس جميعاً من كافة
الأمم والملل من أهوال يوم الحشر حين تدنوا الشمس شبرا
فوق رؤوس الخلائق ويعتريهم من الكرب ما يعتريهم ، ويعتذر
كل الأنبياء والمرسلين عن الشفاعة فلا يتقدم إليها أحد
الا سيد ولد آدم ، فهناك يعلم الأولون الاخرون مكانة
نبينا ففي الدنيا لا يقبل الله إلا الإسلام الذي ختم
برسالة نبينا وفي المحشر لا يشفع أحد إلا هو وذلك المقام
المحمود الذي وعده الله بها نسأل الله أن يبعته ذلك
المقام .
وثانيها شفاعة النبي في صالحي أمته فيدخل الله سبعين
ألفاً منهم إلى الجنة بغير حساب ربع كل واحد منهم سبعين
ألفاً (70.000×70.000) وهذا أيضاً مما خصه الله تعالى
به.
وثالثهما أن يشفع فيمن دخلوا الجنة ليرفع درجتهم فيها ،
ورابعها شفاعته في عصاة المسلمين استحقوا النار فيشفع
فيهم فلا يدخلوها ، وخامسها شفاعته في اشد المسلمين
معصية وقد حكم الله عليهم في النار ، فالشفاعة الأولى
عامة لكل الملء المحشر ، والثانية والثالثة خاصة
بالصالحين أما الأخيرتين فخاصة بأهل المعاصي ، وقد أعطى
الله لكل نبي عطية فتعجلها إلا حبيبنا محمد فقد ادخر
عطيته شفاعة لأمته يوم القيامة ، وقد صدق الله حيث قال
فيه " حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " فلك يا رب كل
ثناء حسن إذ جعلتنا من أتباع خير خلقك وسيدهم يوم الحساب
ومن عظيم رحمة الله أن جعل المسلمين يشفعون لبعضهم يوم
القيامة فمنهم من يشفع في الآلاف أو المئات أو العشرات
أو أقل من ذلك فكل حسب منزلته عند الله : فالشهيد يشفع
في سبعين من أهل بيته وفي الحديث " شفاعتي لأهل الكبائر
من أمتي" فيه إنذار لأهل الكبائر في خطر عظيم ما لم
تدركهم الشفاعة وفيه بشارة بحيث لا ييأس العاصي ويظل
متمسكاً بالإيمان في قلبه إلى أن يموت رغم معاصيه فتناله
الشفاعة فهذا الحديث نص جميل جداً في الجمع بين التبشير
والإنذار والحث على التمسك بالإيمان فأين هذا مما يفعله
بحقنا من شدة الإنذار بالنار حتى يقع اليأس في قلب العاص
فينسى إن رحمة اله واسعة ستدركه وأمثاله إن مات على
الإيمان .
ومن رحمة الله تعالى أن جعل العمل الصالح الذي يقوم به
المسلم شفيعاً له يوم القيامة ومن ذلك أن القرآن والصيام
يشفعان لصاحبهما ، وفي هذا حث كبير على فعل الصالحات
لنقي أنفسنا ناراً وقودها الناس والحجارة .
إن الثقة في نيل شفاعة الحبيب المصطفى أقوى عند المسلم
من ثقته في عمله الصح ، لأن شفاعة النبي مضمونة بفضل
الله بينما عملنا غير مضمون إذ تعتريه الكثير من العلل
كالرياء والسمعة والغفلة .... الخ . ومع ذلك فنحن
مأمورون بالعمل الصالح وعلينا أن نجاهد أنفسنا في عملنا
وإصلاح علل أنفسنا حتى نؤدي عبادتنا وفق ما يرضي الله أو
نموت ونحن نجاهد من أجل ذلك ، وبذلك لا تكون الشفاعة (
رغم بحبوحتها) مدعاة إلى التكاسل والتواكل بل الشفاعة
تعنى انه توجد رحمة الله عن طريق الصالحين لصالح المسلم
الذي قصر به عمله عن إدراك الخير فلا نبغي لنا أن نترك
فعل الخير مهما كان بسيطاً ثم بعد ذلك نرجو أن يتغمدنا
الله برحمته ، ونقول للذين لا يستوعبون مدى رحمة الله
الواسعة فيضيقون ذرعاً بالشفاعة ويسارعون في احكم على
العصاة بالنار، نقول لهم عليكم ان تدركوا الفرق بين أن
تقول العاصي يستحق النار وبين أن تقول إنه من أهل النار
، فالقول الأول هو إخبار بحكم الشريعة في استحقاق العاصي
للعقاب ، وأما القول الثاني فهو من أفعال الله وتصرفاته
وحكمه يوم القيامة فنترك الحكم بالدخول في النار لصاحب
الحكم الذي يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، فليس كل من
استحق أمراً ناله فأفهم الفرق ، وعلى المسلم أن يردد
دعاء الآذان " اللهم رب هذه الدعوة التامة " وأن يكثر من
الصلاة على النبي وآله صباحاً ومساءً ( أقله عشر مرات )
وأن يكثر من العمل الصالح وخصوصاً كثرة السجود والتجاوز
عن الناس فهذا يقوي رجاءه في نيل الشفاعة بإذن الله
وعليه أن يتجنب غش المسلمين والغلو في الدين والمروق منه
والتبرأ من المسلمين فهؤلاء محرومون من الشفاعة كما جاءت
الأحاديث بذلك .
وأعلم أنه بعد شفاعة الشافعين ما تزال هناك مساحة واسعة
من رحمة الله تدرك من دخل إلى النار وفي قلبه أخف ميزان
من الإيمان ، فالحمد لله على نعمة الإسلام ونسأله أن
يشفع فينا حبيبنا ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم .
|