|
ال
في عصر تطغى فيه الماديات تكون قيمة الإنسان فيه بما
يملك من مال و متاع ، فينكب على تحصيل الرزق على حساب كل
شيء ، و النتيجة هي التعاسة لا محالة ، لجهل الإنسان
بحقيقة الرزق .
فالرزق هو ما يتم به الانتفاع ( الاستهلاك ) كطعام تأكله
أو ثوب تلبسه أو بيت تسكنه أو مركوبا تركبه و هكذا ،
فليس كل ما تكسبه رزقا ، و في الحديث الشريف (( اللهم
اجعل رزق آل محمد قوتا )) متفق عليه ، أي على قدر حاجة
الاستهلاك اللازم .
و
الرازق و الرزاق من صفات الله تعالى ، فهو يرزق الخلق
أجمعين (( و ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ))
هود 6 ، و الأرزاق نوعان ، رزق ظاهر للبدن كالطعام و
الملبس ، و رزق باطن للقلوب و العقول و النفوس كالمعارف
و العلوم و التقوى ، و قد وردت مادة رزق و مشتقاتها في
القرآن الكريم 105 مرة ، أغلبها تتحدث عما يستهلكه
الإنسان و ينتفع به ، مثل قوله تعالى (( فأخرج به من
الثمرات رزقا لكم )) البقرة 22 ، فالرزق ما أعطاكه الله
فاستهلكته و انتفعت به ، و ما عداه فهو كسبك أو ملكك و
لكنه ليس رزقك حتى تستهلكه ، فلو كسبت 100 دينار فأنفقت
نصفها و ادخرت الباقي فإن رزقك هو 50 دينارا فقط ، و في
الحديث الشريف (( يقول ابن آدم مالي ، مالي ، و هل لك يا
ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو
تصدقت فأمضيت )) مسلم و ابن حبان و النسائي .
و
في الحديث الشريف (( من أصبح معافى في بدنه آمنا في سربه
لديه قوت يومه فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها )) ابن حبان
و ابن ماجه ، فالإنسان لا يقدر أن يستهلك أكثر من رزقه و
لو امتلكه ، و لهذا فالمشاكل تنبع غالبا من الجشع و
الهلع و حب التملك ، فهذه الدنيا يوجد فيها ما يكفي رزق
كل البشر و زيادة ، و ليس فيها ما يكفي لجشع إنسان واحد
، و لو أعطي ابن آدم واديا من ذهب لتمنى ثان و لو أعطي
ثان لتمنى ثالث و لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب و يتوب
الله على من تاب .
فمن أراد أن يريح نفسه من العناء و الهم بلا طائل ،
فعليه أن يوقن أن الله قسم الأرزاق و تكفل بها ، و لن
تموت نفسا حتى تستوفي رزقها و أجلها ، و ليعلم أن كثرة
الممتلكات و ضخامة الأرصدة لا تجدي شيئا ما لم تصحبها
القناعة بما يرزق الله .
و بما أن العبرة بما تستهلك و ليس بما تملك ، يأتي
الحديث الشريف (( ما عال من اقتصد )) أحمد و الطبراني في
الكبير ، أي لا يفتقر من اقتصد في نفقته ، فالاقتصاد هنا
أن تكون النفقة على قدر الحاجة فعلا بلا بخل و لا إسراف
، و في المثل ( مد رجليك على قدر لحافك ) .
و
في القناعة بما يرزق الله مع الاقتصاد في النفقة عون
كبير لصاحب الدخل المحدود ليحيا حياة مطمئنة ، فيشكر
الله على رزقه و إن قل و لا يدخل في متاهات الديون و
التطلع الأجوف لما ليس عنده من الماديات ، و بذلك يريح و
يستريح .
و
لا حرج على المسلم في السعي لكسب المزيد من المال ما دام
بالحلال ، و بحيث لا يؤدي ذلك إلى الضرر بواجبات أخرى
كواجب العبادة و حق الأسرة و راحة بدنه .
و
ليس الغني من يكسب الكثير ، ولكن الغني من نال احتياجاته
و ادخر شيئا من كسبه ، فقد يكسب الإنسان ألفا فينفقها
بلا فائدة و يصير مفلسا ، و قد يكسب مائة فينفق قدر
حاجته و يوفر منها عشرة مثلا ، فيكون غنيا .
و
من مشاكلنا المعاصرة أن الدنيا أخذت زخرفها و تزينت بشكل
غير مسبوق ، فتجد في السوق السلعة الواحدة بعشرات
الأشكال ، فانظر كم نوع من الحليب ، و كم نوع من
السيارات ، و كم نوع من آلات الحلاقة و غيرها ، و أغلب
تلك المنتجات المتعددة مستوردة من الغرب ، و نحن لا نحرم
ما أباح الله ، و لكن علينا أن نقتصد في معيشتنا ، و
بكثرة استهلاكنا للمنتجات المستوردة و غير المستوردة
نكون قد ساعدنا الغرب في ازدهار اقتصاده ، و لولا كثرة
استهلاكنا لتضرر اقتصاد الغرب ، فالمسألة ليست مجرد شراء
سلعة بل ما وراء ذلك الاستهلاك الزائد عن الحاجة ، و
خصوصا عندما يكون المنتج لتلك السلعة مما يحسب من أعداء
المسلمين ، فهل يعقل أن ندعم اقتصاد عدونا باستهلاك
منتجاته و التي غالبا ما تكون من باب الكماليات ، و قد
شكا الناس إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه غلاء
اللحم فقال لهم : أرخصوه ، أي اتركوا استهلاكه و لا
تتكالبوا على شرائه فيرخص سعره .
و
من العجائب أن تبادل السلع بين الدول العربية و
الإسلامية لا يشكل إلا نسبة ضئيلة جدا من حجم تجارتها
مقارنة مع الاستيراد من الغرب ، فمتى ندرك أن القوة
الشرائية يمكن أن تكون سلاحا فعالا و سلميا لتحقيق بعض
أهدافنا كمسلمين ؟
اللهم قوي إيماننا و امنحنا القناعة بما ترزقنا و بارك
لنا فيه ، و اجعلنا من المقتصدين و من عبادك الشاكرين .
شبكة الفرسان الإسلامية
|