|
تعريف الاحتلال :
هو لفظ من ألفاظ الافتعال ، ويعني تعمد إزاحة الشيء عن
محله ليحل محله شئ غيره واصطلاحاً هو قيام دولة بإسقاط
حكومة دولة أخرى لتحكم بدلاً منها .. ومن هنا فإن
الانقلابات والثورات الداخلية لا تدخل في معنى الاحتلال
، وإنما يرتبط الاحتلال دائماً بالتدخل الخارجي ، وقد
يحدث الاحتلال مع الإبقاء على الحكومة المحلية كواجهة أو
أداة لتنفيذ أوامر المحتمل وتوجيهاته ، فطالما خضعت
الحكومة المحلية لأوامر وتوجيهات الطرف الأخر فهي مغلوبة
على أمرها ، وهذا لا يخرجها عن وصف الاحتلال وإنما هذه
صورة من صور الاحتلال .
وفي الغالب فإن الدول القوية عسكرياً أو سياسياً أو
اقتصادياً تستغل هذا التفوق في بسط نفوذها على الدول
الأضعف مما يجعل سيادتها واستقلالها غير كامل بالمعنى
الصحيح ، وعلى الدول الصغيرة أن تدرك ذلك جيداً لان
الاحترام يتوجه للأقوياء فقط ولكي يحدث الاحتلال فلا بد
أن يسبقه غزو، لأنه وسيلة له ، وهذا الغزو تبلغ ذروته في
صورته العسكرية المباشرة ، وذلك لان للغزو عدة صور كالغز
والثقافي والاقتصادي والإعلامي فقد صار معلوماً اعتماد
الحروب الحديث على الجانب الإعلامي لإضعاف وقتل معنويات
العدو وبث الحماس في صفوف المحاربين بالإضافة إلى تبرير
حروبهم وما إلى ذلك وكما إن الغزو وسيلة للاحتلال فان
الاحتلال بدوره وسيلة للاستعمار وهو عملية التسلط على كل
مقدرات البلاد من طرف المحتل ليتصرف فيها كما يشاء دون
رقيب أو حسيب ، ولهذا ترى المستعمر ينهب الخيرات ويستغل
الشعب ليسخره كعمال ويتدخل لتغيير ثقافة المجتمع ولغته
وهويته وحتى دينه ذلك لأن المستعمر يسعى للتسلط على كل
ما في البلاد وتطويعها لمصلحته ومحاولة إطالة مدة
الاستعمار لأطول ما يمكن .
وإذا حدث الاحتلال فإن اللوم يقع على الطرفين ، المنتصر
لاعتدائه والمهزوم لأنه سمح بضعفه وعدم تماسكه لهذا
الاحتلال بالانتصار عليه ، وقد اثبت التاريخ إن عنصر
القوة المادية مهما كان حجمه فإنه قابل للانكسار طالما
إن الشعب مصمم طرد الاحتلال ، وهذا ما حدث في الهند مع
بريطانيا وفيتنام مع أمريكا والأمثلة كثيرة ، ففراغ
القوة الداخلية والتماسك الداخلي وانهزام نفسية الشعوب
هي العامل الأكبر في نجاح الاحتلال ولهذا يقول الله
تعالى ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) فمن أراد غزو
غيره عليه أن يبحث عن الثغرات المساعدة على الغزو وعليه
أن يتربص حتى تواتيه الظروف ، ولهذا نجد الاستعمار يمهد
لغزوه بالبعثات المتخفية تحت عدة مسميات إلا أنها في
حقيقتها عبارة عن جوسسة لجمع المعلومات التي سيبنى عليها
الغزو والاحتلال والاستعمار .
وقد يشتبه على البعض معنى الفتح ويربطه بالاحتلال ،
وهناك فروق عدة بينهما رغم بعض التشابه ، فالاحتلال يسعى
للسيطرة بناء على المصلحة الذاتية للمحتل على حساب مصلحة
الدولة الصغيرة ، كما أن الاحتلال يظهر بوضوح همجية
العملية وذلك عن طريق مظاهر الإذلال والتنكيل والاغتصاب
وغيره مما يفعله المنتصرون على غيرهم في الحروب ، كما أن
المحتل يرفع قدر نفسه ويخفض من قدر المنهزم فيبيح لنفسه
ما يحرمه على غيره ، والفتح بخلاف ذلك كله لأنه جاء
لمصلحة الدولة المراد فتحها ولذا تجد الانسجام بعد الفتح
بين الفاتح والمفتوح كما أن الفتح يتقيد بمبادئ جاء
لنشرها لا يستطيع تجاوزها ، وقصة خروج المسلحين من إحدى
المدن التي فتحوها بسبب عدم إعطائهم فرصة للاختيار بين
الحرب والإسلام أو الجزية مثال واضح على مخالفة المبادئ
السامية عندهم راغبون فيها فيضطرون لإزاحة الحكومة التي
تصدر وتمنع وصول هذه المبادئ لعامة الناس ، فمن السطحية
في التفكير تشبيه الفتح الإسلامي بالاحتلال لوجود مظاهر
القوة العسكرية ، وهناك أمر لا بد من ذكره وهو أن
الاحتلال يكون ممن يملك ضد من لديه جيشاً أضعف ، بينما
في الفتح نجد في الغالب إن عدد المسلمين أقل من عدد
الروم والفرس .
إن ضعفنا الداخلي وعدم تماسكنا وعد تمسكنا بأسباب قوتنا
وركوننا إلى الحياة الدنيا وحب الكراسي والتمتع بشهوات
الدنيا وعدم الأخذ بأسباب العم وكثرة القيل والقال
وانتشار الجهل فقل هذا التخلف كان هو سبب انتصار المحتل
علينا واستعمارنا لان الاستعمار عندما جاء وجدنا أمة
ضعيفة مشتتة فأستغل هذا الضعف واحتلنا ، وليس كما يقال
الآن إن الاستعمار هو سبب ضعفنا وتخلفنا .
بل ضعفنا وتخلفنا هو سبب استعمارنا وستظل سيادتنا ناقصة
وأراضينا محتلة ، وحكوماتنا مغلوبة على أمرها أما الدول
الكبرى طالما إننا لا نغير ما بأنفسنا ، خصوصاً وعن
القوة هي التي تجلب الاحترام في العالم القديم والحديث
على السواء ، ولنتذكر دائماً إن الفراغ هو سبب الاستعمار
، ولا يفرح بالاحتلال إلا من جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ
علمه ، فالمحتل كالتاجر الجشع يريد ربحاً بلا خسارة وقد
يمنحك بعض المكاسب بيد ليستردها من وطنك باليد الأخرى
أضعافاً مضاعفة ، فلكل احتلال عملاؤه وخدمته يلعقون
أحذية أسيادهم ليستظلوا في العيش بظل أحذية الأعداء الذي
يدسونهم في أي لحظة بعد انتهاء صلاحيتهم .
|