الغش

 

 

جاء في قاموس لسان العرب و كذلك في النهاية في غريب الحديث أن الغش فقيض النصح ، و هو مأخوذ من الغشش أي المشرب الكدر غير الصافي ، فالغش خلق سيء من فصيلة الخيانة يدفع صاحبه لخلط الفاسد بالصالح ، و تقديم الأمور مع الشوائب و العيوب على أساس أنها سليمة و صحيحة .

و الغش يكون في أمور عديدة ، كالغش في البيوع ، بإخفاء عيوب السلعة ، أو خلط جيدها برديئها ، أو زعم استمرار صلاحيتها و هي منتهية ، و نحو ذلك ، و في الحديث الشريف (( من غشنا فليس منا )) أي ليس من أخلاق المسلمين و لا دينهم .

و الغش في الموازين و المكاييل يسمى تطفيفا ، و فيه أنزل الله تعالى سورة المطففين ، و المطفف بنقص من الميزان جرامات قليلة لا يكاد يشعر بها الزبون ، و مع ذلك وبخ الله المطففين و هددهم بالويل و الثبور ، ليشعر المسلم بفظاعة الغش و لو في جرامات قليلة .

و يدخل الغش في كل المعاملات المادية من خدمات و صناعات و حرف و غيرها ، و الغرض منه هو تحقيق مصلحة مادية على حساب الآخرين بخدعة من الخدع أو كذبة من الأكاذيب ، أو تعتيم على ما يجب بيانه و توضيحه ، فيلحق الضرر بالآخرين ، و هذا محرم قطعا في الإسلام .

و قد يدخل الغش في التعليم و الاستشارة و أحيانا الفتيا ، و هنا يكون الغش في أقبح صوره و أبشعها لصدوره من جهة مؤتمنة على العقول و الأنفس ، فالغش في التعليم خراب للأجيال الناشئة و خيانة للوطن ، و الغش في الطب هلاك للمرضى ، و الغش من ولاة الأمور خيانة للرعية و دمار للدولة ، و الغش في الفتوى خيانة للدين .

و من الغش ما يكون اجتماعيا مثل غش الخاطب أو المخطوبة في التعريف عن نفسه و بيان مركزه المادي أو الاجتماعي ،

 و النفاق يتربع على قمة الغش حيث يظهر المنافق خلاف ما يبطن ليغش الناس و يخدعهم ، و الكافر و المشرك و الملحد و المنافق كلهم يقومون بغش أنفسهم في أمور العقيدة و الدين ، و لو كانوا ناصحين لها و مشفقين عليها لتبعوا الهدى و تجنبوا الضلال (( و ما ظلمونا و لكن كانوا أنفسهم يظلمون )) البقرة 56 . و أولئك أرادوا تحقيق منافعهم بالباطل على حساب الحق فوصفهم الله بأنهم هم الخاسرون .

و من خلال هذا السرد نستطيع فهم الحديث الشريف (( إنما الدين النصيحة )) فلا ينبغي خلط الحق بالباطل و تقديم الأمور بشوائبها على أنها سليمة نقية .

و عندما تاجر المسلمون بدون غش استطاعوا إقناع الكثيرين بدعوة الإسلام ، فكان للنصح في التعامل مع غير المسلمين أكبر الأثر في اقتناعهم .

و تتجلى بشاعة الغش في أن الغاش يستغل ثقة الناس فيه ، و يتظاهر بالإخلاص و التفاني و النصح ، حتى إذا اطمأنوا إليه خانهم و خلط الصحيح بالسقيم ، و قد يستفيد الغاش من غشه ، و لكنها استفادة ملعونة لا بركة فيها و عاقبتها الإثم و الخزي و الفضيحة و العذاب الأليم ، و بهذا فالغاش قد غش نفسه قبل أن يغش غيره ، فقدم لها مفسدة و سوء المصير ، (( فليضحكوا قليلا و ليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون )) التوبة 83 .

و على العاقل أن يحذر الغش و أهله ، و لو تم غشه مرة فلا يلدغ من حجر مرتين ، و تقول الحكمة : إن خدعتني مرة فعار عليك ، و إن خدعتني مرتين فعار علي ، و اعلم أن الغاش يعتمد في غشه على أمرين : الأول هو طمع الناس و الثاني غفلتهم ، فلا تغفل عن رؤية الشوك حين ترى الورد ، و في سنن الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة و السلام  قال له : (( يا بني إن قدرت على أن تصبح و تمسي و ليس في قلبك غش لأحد فافعل )) . صدق رسول الله فيما قال و نفعنا الله بجوامع كلمه الطيب و نسأل الله العفو و العافية لنا و لكم و لكل المسلمين .

 

 

 

 

 

  شبكة الفرسان الإسلامية

   



 

مصمم للعرض بدقة (768 × 1024)