الذكر الحسن

 

الذكر الحسن هو الصيت و حسن الثناء ، و هو أعم من المدح ، لأن غالب المدح يكون في حضور الممدوح ، بينما الذكر الحسن يكون في حضوره و غيابه و حتى بعد مماته ، و ذكر محاسن الموتى من معاني الرثاء ، إلا في حق النبي الكريم يسمى مديحا لا رثاء لأنه حي بيننا بما تركه من رسالة الإسلام الخالدة ، و بما تركه من قدوة حسنة و سنن حميدة ، عليه الصلاة و السلام و على آله و صحبه .

و كلنا يحب أن يكون له ذكرا حسنا في الناس ، و ربنا عز و جل يحب المدح و الحمد و الثناء الحسن من خلقه ( و هو أهل لذلك ) حتى أنه افتتح كتابه العزيز بالحمد لله رب العالمين .

و من خصائص الذكر الحسن أنه يأتي عفويا و طواعية من الناس ، دون إكراه ، فهو اعتراف من الناس بحسن أفعالك أو أقوالك أو أخلاقك و نحو ذلك بحيث يكون ممزوجا بشيء من الإعجاب .

و لنا أن نقول أن الذكر الحسن فرع من محبة الله لعبده ، و من شأن المحبة أن تنتج الذكر الحسن للمحبوب ، و لذا نجد في القرآن المجيد كثيرا من الآيات تشيد بالذكر الحسن للأنبياء و الصالحين مادحة لهم إيمانهم و أعمالهم الصالحة و حسن أخلاقهم مثل قوله تعالى (( إنه كان عبدا شكورا )) ،  (( نعم العبد إنه أواب )) ((وإنك لعلى خلق عظيم)) .و مما يدل على أن حسن الذكر فضيلة في حق العبد أن سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام طلبه من الله تعالى (( و اجعل لي لسان صدق في الآخرين )) الشعراء 84  . و نحن المسلمين في صلاتنا نطلب من الله تعالى أن يصلي و يسلم و يبارك على سيدنا محمد و آله كما فعل مع سيدنا إبراهيم و آله .

فعلى كل مسلم أن يحرص على أن يكون له ذكر حسن بين المسلمين بإيمانه و عمله الصالح و حسن أخلاقه و معاملته ، فإن لم يستطع لا قدر الله فعليه أن يكون مستور الحال ، لا له و لا عليه ، و ليحذر أن تكون له سمعة سيئة بين الناس ، لأن المؤمنين شهداء الله في الأرض لقوله تعالى ((ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء على الناس )) آخر سورة الحج ، و في صحيح البخاري و غيره أن جنازة مرت على النبي عليه الصلاة و السلام فأثنوا عليها خيرا ، فقال : و جبت ، ثم مرت جنازة أخرى فأثنوا عليها شرا فقال : وجبت ، فلما سئل عن قوله و جبت للجنازتين قال : الأول و جبت له الجنة ، و الثاني وجبت له النار .

و هنا يأتي سؤال هام : كيف نفرق بين طلب الذكر الحسن الذي يوجب الجنة و بين الرياء الذي يحبط العمل و يرمي صاحبه في النار ؟

طالب الذكر يسعى إليه بنية أن يكون سببا لدخول الجنة بفضل الله و رحمته ، فهو بذلك يأخذ بالأسباب الشرعية و هو بذلك مطيع لله و مصدق بما قاله رسوله ، أما المرائي فهو يطلب مجرد حديث الناس عنه للشهرة و لأمور دنيوية فقط ، فالأول يريد الآخرة و الثاني يريد الدنيا ، و الأعمال كما علمت بالنيات .

و هنا يأتي تساؤل : كيف نفرق بين الذكر الحسن الذي نقوله أو يقال لنا و بين التزكية التي نهانا الله عنها بقوله (( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى )) النجم 31 ؟

و الجواب هو أن الذكر الحسن عبارة عن شهادة بما علم الناس من ظاهر أحوالك و تصرفاتك و أخلاقك ، فهم رأوك تصلي و تتصدق و تحسن المعاملة فشهدوا لك بذلك في حضورك أو غيابك (( و ما شهدنا إلا بما علمنا )) يوسف 81 ، و هذا لا غبار عليه شرعا و عقلا ، أما التزكية المنهي عنها فهي إصدار الحكم من البشر بأن فلانا بعينه نال الجنة أو المغفرة و نحو ذلك مما اختص الله به ، و طبعا فالفرق واضح جدا بين شاهد عيان يدلي بشهادته في قضية ما ، و بين القاضي الذي يصدر الحكم الفاصل في القضية .

و من خصائص الذكر الحسن أنه يعتبر امتداد لحياة الإنسان بعد وفاته ، فالميت هو الذي لا يذكره أحد بخير و لو كان على قيد الحياة ، أما من ذكره الناس بخير فقد امتد عمره بذلك الذكر ، قال الشاعر أحمد الزين : و الذكر عمر ثان :: للمرء و هو فان

و هذا أحد المعاني التي تم بها تفسير الحديث الشريف في صحيح البخاري (( من سره أن يبسط له في رزقه و ينسأ له في أثره فليصل رحمه )) فصلة الرحم من الأعمال الجالبة لحسن الذكر في حياة صاحبها و بعد مماته و الله أعلم .

و من فوائد الذكر الحسن أنه يميز بين الخبيث و الطيب ، فعلماء الجرح و التعديل أتعبوا أنفسهم لمعرفة من تصلح روايته و من لا تصلح فاعتمدوا في ذلك على حسن الذكر أو عكسه.

و بما أن رضا الناس غاية لا تدرك ، و لا يمكن أن يشهد لك الجميع بحسن الذكر ، فيكفيك أخي المسلم أن يشهد لك مسلمان عدلان بالخير فتجب لك الجنة بفضل الله تعالى ، ففي صحيح ابن حبان أن عليه الصلاة و السلام قال (( أيما مسلم يشهد له أربعة بخير إلا أدخله الله الجنة . قالوا و ثلاثة ؟ قال : و ثلاثة . قالوا : و اثنان ؟ قال ك و اثنان . و لم نسأله عن الواحد )) فاحرص كل الحرص على أن يشهد لك طائفة من المسلمين بالخير في إيمانك و عملك الصالح و أخلاقك و حسن معاملتك و سلوكك ليدخلك الله في جنته .

و من فوائد الذكر الحسن للسلم أنه يعينه على الدعوة إلى الله ، فكل الأنبياء و الرسل كان لهم ذكر حسن في أقوامهم ، ليكون لدعوتهم أحسن التأثير ، فلو كان الداعية سيء الذكر فلن يستجيب الناس لما يقوله ، و نحن المسلمون تتعرض صورتنا و سمعتنا للتشويه و التشويش عند غير المسلمين لكي يفر الناس منا و من ديننا ، و نحن بسوء تصرفاتنا و قبح سلوكنا و تطبيقنا لتعاليم ديننا ،   نؤكد التشويه و البشاعة التي يعمل عدونا على إلصاقها بنا ليصد الناس عن الإسلام .   

و من العجائب أن بعض المسلمين بدل أن يقولوا خيرا أو يصمتوا ، تراهم يبسطون ألسنتهم بالسوء في حق بعض الصحابة الكرام و العلماء و الصالحين و صولا إلى عامة الناس ، خصوصا الأموات من المسلمين و الذين شهد لهم الكثير من معاصريهم بحسن السيرة و بكل خير ، عما بأن الحديث الشريف في صحيح البخاري يقول (( لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا )) فهؤلاء الذين يتقولون في العلماء و الصالحين قد خالفوا و بوضوح أوامر الله و رسوله ، و اكتسبوا الإثم ، و فضحوا أنفسهم بكونهم ممن يهتكون ستر الله على عباده و يرمون الناس مما هم أبرياء منه ، و طبعا هذا لغاية في نفوسهم المريضة و عقولهم السقيمة و اتباعا لتعصبهم الأعمى و استجابة لوساوس الشياطين ، فعليم أخي المسلم بحسن الظن بالمسلمين ، و كف لسانك عنهم إلا بخير ، بل لو رأيت عيبا عليك بستره لا فضحه (( و من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة )) و تذكر قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم )) الأحزاب 71 .

و نقول لمن يهمه أن يكون له ذكر حسن : إذا أردت ذلك الذكر لتخل به الجنة فعليك بإخفاء حسناتك ، و ستر عيوب الناس و نشر حسناتهم ، ففي ستر حسناتك مظنة الإخلاص ، و من أخلص أحبه الله و كتب محبته في قلوب الناس فيذكرونك بخير و لا يعرفون السبب ، و بسترك لعيوب الناس يسترك الله ، و في نشرك لحسنات الناس و مزاياهم و فضلهم اعتراف منك بالفضل فيعاملك الله بالمثل و يسخر من ينشر حسناتك من حيث تدري و لا تدري ، فأفضل طريقة للذكر الحسن هو في حسن التعامل مع الله و ثم خلقه و سترى العجب العجاب من الخيرات ، و ما ذلك على الله بعزيز ، نسأله ألا يتوفانا إلا و نحن مسلمون و قد شهد لنا طائفة منهم بالخير ، و آخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين .          

  شبكة الفرسان الإسلامية

   



 

مصمم للعرض بدقة (768 × 1024)