الحسن البصري

(22-109) من وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)

 

علم من أعلام تراثنا الخالد، من مجلسه نشأت بدايات الفلسفة الإسلامية والعلوم، وقد وصف مجلسه ثابت بن قره فقال: (( يجلس تحت كرسيه قتادة صاحب التفسير، وعمرو وواصل صاحبا النحو، وفرقد السبخي صاحب الرقائق. وأشباه هؤلاء ونظراؤهم فمن ذا مثله ومن ذا يجري مجراه ؟ )) ولد الحسن البصري (أبو سعيد) عام (642م) 20 من وفاة الرسول في المدينة المنورة ومن ثم انتقل إلى البصرة وفيها أقام حتى توفاه الله بها إنه من التابعين المشهود لهم بالفصاحة والورع والعبادة والأدب والحكمة، ولا عجب فقد نشأ في ظل بيت النبوة، لأن أمه كانت مولاة أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. عايش الصحابة الكرام، وشهد الأحداث الجسام والصراع الدامي منذ مقتل عثمان رضي الله عنه ويعتبر منبراً للمعارضة وجامعة للعلوم وهيئة استشارية. لم يتسلم الحسن منصباً سياسياً وكان في معسكر المعارضة لمظالم الدولة الأموية، فلم يؤيد من خلفائها إلا عمر بن عبد العزيز هو إمام مدرسة أهل العدل والتوحيد وكشف بفلسفة مشرفة الحرية والاختيار وقد اعترله واصل بن عطاء عندما سئل عن مرتكب الكبيرة هل هو مؤمن أو كافر.. فقال واصل: هو منزلة بن المنزلتين ثم اعتزل مجلس الحسن البصري وسميت جماعته بعد ذلك بالمعتزلة.

كان على درجة من الوعي والعقل يضاهي به الحكماء، ويبز الفلاسفة، قال لفرقد بن يعقوب: بلغني أنك لا تأكل الفالوذج فقال: يا أبا سعيد أخاف ألا أؤدي شكره، قال الحسن: يا لكع هل تقدر أن تؤدي شكر الماء البارد الذي تشربه وتولى عمر بن هبيرة القراري العراق في عهد يزيد بن عبد الملك؟ فاستدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وقال لهم: إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون فيكتب إلى بالأمر من أمره فاقلده ما تقلده من ذلك الأمر، فما ترون؟ فقال ابن سيرين والشعبي قولاً فيه تقية، فقال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن: فقال يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله، إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله، وأوشك أن يبعث إليك ملكاً فيزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصراً لدين الله وعباده فلا تركن دين الله وعباده بسلطان الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فأجازهم ابن هبيرة وأضعف جائزة الحسن فقال الشعبي لابن سيرين: سفسفنا له فسفسف لنا.

ودعاه الحجاج ذات مرة وأجلسه قريباً منه وقال: ما تقول في علي وعثمان؟ قال: أقول قول من هو خير مني عند من هو شر منك، قال فرعون لموسى: (ما بال القرون  الأولى قال علمها عند ربي) قال الحجاج له أنت سيد العلماء يا أبا سعيد، وقيل له وهو متوار: قتل الحجاج سعيد بن جبير فقال: لعن الله الفاسق ابن يوسف، والله لو أن أهل المشرق والمغرب اجتمعوا على قتل سعيد لأدخلهم الله النار. واشتهر بالزهد، ولكنه زهد القرآن لارهبانية وإنما فلسفة الزاهد عميقة في وجوده وهي تملك الدنيا بيده والبعد عنها في قلبه، ويرى الصوم طريقاً للخشوع والتوسط في الطعام سبيلاً للحكمة. وقال: (من أراد أن يخشع قلبه ويغزر دمعه فليأكل في نصف بطنه) وكان يقول: (إذا لم تقدر على قيام الليل ولا صيام النهار فاعلم أنك محروم، قد كبلتك الخطايا والذنوب). ولقد كان له مدرسة روحية كبيرة في الإدارة وفي ذلك قوله (إن النفس أمارة بالسوء فإن عصتك في الطاعة فاعصها أنت في المعصية) وقيل لعبد الواحد صاحب الحسن: بأي شيء بلغ الحسن فيكم إلى ما بلغ؟ وكان فيكم علماء وفقهاء فقال: إن شئت عرفتك بواحدة أو باثنين فقلت: عرفني بالاثنين فقال: كان إذا أمر بشيء أعمل الناس له، قلت: فما الواحدة قال: لم أر أحداً قط سريرته أشبه بعلانيته منه.

وقيل ليوسف بن عبيد: هل تعرف رجلاً يعمل بعمل الحسن؟ فقال: رحم الله الحسن والله ما أعلم أحداً يقول بقوله فكيف يعمل بعمله؟ كان والله إذا ذكرت النار عنده كأنه لم يخلق إلا لها وما رؤي قط إلا وكأن النار والجنة بين عينيه خشية ورجاء لا يغلب أحدهما صاحبه، همته عالية، ودأبه كبير قال في ذلك قولاً لا يدانيه فيه أحد: (القلب الذي يحب الله يحب التعب ويؤثر النصب، هيهات لا ينال الجنة من يؤثر الراحة، من أحب ما عند الله سخا بنفسه وإن صدق وترك الأماني وقيل له: كيف ترى يا أبا سعيد في الرجل يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب قال: ما أعرف هذا من أخلاق المؤمنين.

وقد اشتهر الحسن بأقوال كثيرة في الخلق والأدب وفي ذلك قوله: (عدة الكريم فعل وتعجيل، وعدة اللئيم تسويف وتطويل) وقال: كنا نعد البخيل فينا الذي يقرض أخاه الدراهم إذ كنا نتعامل بالمشاركة والإيثار، والله لقد رأيت أحد من رأيت وصحبت يشق إزاره فيؤثر أخاه بنصفه ويبقى له ما بقى.

وكان يؤكد القول (ليس من المروءة أن يربح الرجل على أخيه) وقال: (ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابداً وأرض بما قسم الله تكن غنياً، وأحسن جوار من جاورك تكن مؤمناً، وأحب للناس ما تحب لنفسك عدلاً، وأقلل الضحك فإنه يميت القلب، كما يموت البدن. وفي الصبر قال: ((ما جرعة أحب إلى الله عز وجل من جرعة مصيبة موجعة تجرعها صاحبها بحسن عزاء وصبر، أو جرعة غيظ تحملها بفضل عفو وحلم)) وكان يردد (العلم خير تراث، والأدب أزين خدين، والتقوى خير زاد، والعبادة أربح بضاعة والعقل خير وافد وحسن الخلق خير قرين، والحلم خير وزير، والقناعة أفضل غنى، والتوفيق خير معين، وذكر الموت أوعظ وقال: ( لا تكن ممن يجمع علم العلماء وحكم الحكماء ويجري في الحق مجرى السفهاء، كان يردد دعاءه آناء الليل ((إلهي من أولى بالزلل والتقصير مني ومن أولى بالمغفرة والعفو منك عني. وقد خلقتني ضعيفاً لا أملك لنفسي خيراً ولا نفعاً؟ إلهي علمك في سابق، وقضاؤك بي محيط، أمرك فيّ نافذ، أطعتك بإذنك ومعونتك والمنة لك، وعصيتك بعلمك والحجة لك، فبوجوب رحمتك وانقطاع حجتي ثبت خوفك في قلبي حتى لا أرجو سواك، ولا أخاف غيرك. الهم يا أرحم الراحمين صلي على محمد خاتم النبيين)) وإزاء هذا كان قد راى رجلاً متماوتاً في العبادة فقال: يا ابن أخي إن الإسلام حي فأحيه.

إنه جاء بتفسير يعتبر مدرسة خاصة فمثلاً في قوله تعالى: (( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)) قال لنرزقه طاعة يجد لذتها في قلبه، وروي أنه قال، لنرزقه رزقاً لا نفد به عليه.

وفي قوله تعالى: (( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ )) قال: رحم الله قوماً كان خشوعهم في قلوبهم فغضوا أبصارهم وحفظوا فروجهم وتجنبوا المحارم، فنالوا أعلى الدرجات.

وخطب مرة فقال: أيها الناس إني أعظكم ولست بخيركم ولا أصلحكم، وإني لكثير الإسراف على نفسي، غير محكم لها، ولا حاملها على الواجب في طاعة ربها، ولو كان المؤمن لا يعظ أخاه إلا بعد إحكام أمر نفسه لعدم الواعظون وقل المذكرون، ولما وجد من يدعو إلى الله جل ثناؤه، ويرغب في طاعته، وينهى عن معصيته، ولكن في اجتماع أهل البصائر، ومذاكرة المؤمنين بعضهم بعضاً حياة لقلوب المتقين، وإذكار من الغفلة، وأمن من النسيان فألزموا عافاكم الله مجالس الذكر فرب كلمة مسموعة، ومحتقر نافع، واتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

قال ابو الحسن النووي عنه: كان صاحب شخصية قوية جذابة حبيبة إلى النفوس، وكان الناس مأخوذين بسحرها، خاضعين لعظمتها حتى قال ثابت بن قرة: (إن الحسن من أفراد الأمة المحمدية التي تتباهى بهم على الأمم الأخرى).

وقد كان لسيرة هؤلاء الأعلام، وحياتهم النزيهة وزهدهم في حطام الدنيا وابتعادهم عن مناصب الدولة، وتفلتهم من شرك كان ينصب لهم حيناً بعد حين وإرشادهم للخلق وإخلاصهم تاثير كبير فكانوا منارة هدى، وأعلام هداية ونبراساً يضيء طريق الخالدين فهم الخالدون بإبائهم وعظمتهم وكريم خلقهم لقد كان الحسن إمام أهل العلم والحكمة والرأي في عصره.

 

العودة



 

مصمم للعرض بدقة (768 × 1024)