|
لماذا يقبح بالقزم أن يلبس ثياب الطوال من الرجال؟
ولماذا يقبح بالطويل الممتط أن يرتدي ثياب الأقزام؟
لماذا يقبح بالإنسان أن يتشبع بما ليس فيه وان يدعي ما
ليس له، وان يزعم لنفسه الحرية وهو مملوك، وان يتجاهل
حقوق الآخرين وهو مدين لهم ومستأجر؟
هل يعجز أحد عن معرفة الجواب البديهي عن هذه الأسئلة ؟
.. إن الجواب عن السؤال القائل: لماذا الإسلام أكثر
بداهة ووضوحاَ ؟.
عد إلى ذاتك وتأمل في كينونتها. ثم سل نفسك: أأنت حر
تملك أن تقيم ذاتك على ما تشاء من رغد الحياة، بعيداً عن
أن يستذلها شيء من المنغصات وفواجع البؤس والآلام، وقيود
الأنظمة الآسرة وعواقب الموت والحرمان؟ فإن علمت أنك
كذلك، حر طليق عن سائر القيود المذلة والمستعبدة، فلتهنأ
بهذه الحرية، وما عليك إلا أن تسلك مسالك الأحرار في كل
شؤونك وأحوال. وما الإسلام عندئذ إلا عبء ثقيل لا مسوغ
له، وعقبة تضيق عليك سبيل حريتك بدون موجب. ومثل هذه
الأعباء والعقبات لا تليق بمن كان ملك نفسه، سيد حياته
وقدره.
أما إن نظرت، فعلمت انك مطبوع بطابع العبودية المطلقة،
مغموس بصبغتها من فرقك إلى قدمك، وانك محكوم لنظام صارم
لا تملك التخلص منه،منفعل طبق سنن كونية لا قبل لك بردها
والتحرر منها، مقيد بذل احتياجات كثيرة لا سبيل لك إلى
الاستغناء عنها، فإن من اعبث عندئذ أن تتجاهل ما تحمله
من هذه الآصار والأغلال، ثم تتشاغل بالسؤال عن سر الحاجة
إلى الإسلام ووجه الضرورة الداعية إلى التقيد به!
وما
هـو الإسلام ؟
إنه ليس أكثر من الاستسلام طوعاً، لهذا الذي استسلم له
كيانك كرهاً وقسراً.
أو هو، بعبارة أكثر وضوحاً وتبسيطاً، أن تمارس العبودية
لله بالسلوك والاختيار، كما قد خلقك عبداً له باقسر
والأضرار..وهذا الالتزام أمر طبيعي تقتضيه ضرورة التنسيق
بين الأمور المترابطة والمتقابلة. وبمقدار ما يكون
التشاكس عملاً مذموماً ينتج الاضطراب والفوضى بحكم
البداهة والضرورة، فإن ما يقابله من إقامة قواعد التناسق
والانسجام منهج منطقي سليم، ينتج الآثار المتناسقة ويرسخ
دعائم التماسك والنظام. وإنما يجدر أن يوجه السؤال إلى
من يتجه بسلوكه وجهة التشاكس والاضطراب، إذا هو الذي
ينأي عنه العقل والمنطق، فكان من شأنه أن يثير العجب
والاستفسار. أما السير على الطريق المرسوم، والتزام
الجادة المعبدة، فأمر متآلف مع العقل والمنطق ليس من
شأنه أن يدفع إلى أي سؤال أو استغراب.
وبوسعك
–
إذا كنت ذا فكر موضوعي غير متحيز
–
أن تلاحظ الاضطراب الخطير الناتج عن عدم الانسجام بين
الواقع الإنساني الخاضع لسنن وأحكام صارمة لا يملك
الانعتاق منها، وسلوكه الذي يصطنع به التحرر من كل شيء،
ويطمح إلى أن يخضع لذاته ورغباته كل شيء، سواء على مستوى
الفرد أو الجماعة.
ماذا حقق الذين تبرموا بالإسلام، وانطلقوا يرفعون شعر
الحرية المطلقة، وتنادوا بضرورة الانعتاق من القيود
والالتزامات؟.. ماذا حققوا بكفاحه هذا من معاني الحرية
ومكاسبها؟
إنهم لم يزيدوا على أن جعلوا من الحرية أداة استعباد
للآخرين، وجعلو من التمرد على القيود، قيداً وأغلالاً
جديدة صفدوا بها، من حيث يريدون أو لا يريدون، أيدي
الناس وأعناقهم!..وهل تتهارج الأمم والجماعات الكثيرة
اليوم، إلا لأنها قد خرجت في مجموعها من سلطان العبودية
لله والتقيد بأحكامه، وتنادت بالحرية، فطمح كل منهم إلى
أن يصبح سيداً ومتنفذاً ؟ ..
وأنت تعلم أن الرجل لا يكون سيداً إلا في قوم يكونون
عبيداً له، ولا يغدو متنفذاً إلا في جماعة تخضع لسلطانه
وتنص لأحكامه.
وهكذا، كان لابد أن يكون الخروج من سلطان العبودية لله،
دخولاً في باب عريض من استعباد الناس بعضهم لبعض، ثم كان
لابد أن يصبح انطلاقاً حثيثاً لاهثاً في طريق من التسابق
الدامي على نيل الحظوظ وحجز عروش القهر والعدوان.
وتأمل فيما أقول .. تجد كيف أن الدنيا كلها تحولت، أو
كادت تتحول اليوم إلى لوحة تبرز فيها هذه الحقيقة
المؤلمة، على أتم وجه.
هذا على مستوى الجماعة. أما على مستوى الفرد، فحسبك من
آثار هذا التشاكس ما يعاني منه الشاردون عن مظلة الإسلام
في عقيدته وسلوكه، اضطراباً وحيرة، ثم وحشة وقلقاً تجاه
أنفسهم والمكونات المحيطة بهم.
غذى كل منهم نفسه بالحرية، ثم فوجئ بنفسه سجيناً في
نواميس كونية لا مفر له منها! طمح إلى السيادة المطلقة،
ولكنه لم يعثر على من يبني على كاهلة آمناً
–
عرش سيادته !
أمسك بزمام الطبيعة ليقودها إلى حيث يشاء، فما كادت
تسير وراءه خطوات معدودة، حتى انقلب الحال فإذا الطبيعة
هي القائد المتقدم، وإذا الإنسان مقود وراءها من الزمام
ذاته الذي كان بيده !
إذن، فلا هو بالحرية الحقيقية تمنع، ولا على علم بدقائق
الكون وأسرار الطبيعة حصل، ولا على مفتاح قيادة الكون
عثر!.. ثم عاد، لا ليجتر خيبة آماله فقط، بل ليستوحش
أيضاً حتى من ذاته، وليضيق ذرعاً حتى بمتعته وأحلامه.
فهاهم أولاء.. وقد فاضت بهم المجتمعات الغربية، يقفون
في طوابير منظمة على عيادات الأطباء النفسانيين، أو
يتفرقون على موائد الملهيات والمنسيات، أو يعكفون على
التأمل في أحدث وسائل الموت والانتحار!
ولقد كان الوجوديون هم قادة الدعوى إلى ممارسة الحرية،
ولقد فلسفوا السبيل إليها ونظموه، ليصبح واضحاً معبداً
أمام الناس جميعاً، فإلام أوصلهم سبيلهم المفلسف المنظم؟
لقد أوصلهم إلى ما يسمونه هم أنفسهم بالقلق واليأس
والسقوط!
لماذا ؟.. لأن الحرية ليست ممارسة لحقيقة ذات طرف واحد،
حتى يتاح للإنسان أن يمتلك جوانبها كلها، بمحض قرار منه.
وإنما هي ممارسة للاختيار الداخلي الذي يشعر الإنسان
بأنه مجهز بالقدرة على ممارسته. وعملية الاختيار هذه
ليست في جوهرها أكثر من أن يقيم الإنسان علاقة متناسقة
بين حياته والدنيا المحيطة به. وهي من اجل ذلك لا تحقق
إلا من تلاقي طرفين: أحدهما ثابت في أغوار مشاعرنا،
وثانيهما مرتبط بقوانين الكون وأنظمته. وليست الحرية في
حقيقتها شيئاً أكثر من أن يمتلك الإنسان فرصة التنسيق
بين هذين الطرفين، بقرارات من شعوره الداخلي الذي يسمى
بالرغبة والإرادة.
ولكن أي هذين الطرفين يعد قطباً ثابتاً، وأيهما الذي
يتحرك ويدور حوله؟.
إن الواقع الذي يفرض نفسه يقرر بأن الطرف المرتبط
بنواميس الكون وأنظمته هو القطب الثابت، على حين لا يشكل
الطرف الآخر إلا اتجاهاً متحركاً نحوه من سبل شتى .. فمن
تصور أنه قادر على أن يجعل من رغبته الذاتية القطب
الأساسي والمحور الثابت، وأن الدنيا ستطوف بكل ما فيها
حول ذلك المحور الذاتي، بالخدمة والتقديس، ثم اتخذ من
حريته سبيلاً إلى ذلك، فلا بد أن ينتهي إلى ما انتهى
إليه الوجوديون، من اليأس والقلق والسقوط.
إذن، فلكي يمارس أحدنا إرادته وحريته، ينبغي أن يبدأ
بالتعرف على طبيعة الكون وحقيقة هذه الدنيا التي نعيش
فيها، ونواميسها الثابتة التي لا مناص من الخضوع لها. أي
أن من العبث أن نتمسك منها بأي فكرة أو عقيدة لا تنسجم
مع واقعا وجذورها الثابتة من ورائها.فإذا فعلنا ذلك،
فلسوف نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام براهين وجود خالق لها
ومبدع لنظامها، ولسوف يدعونا ذلك إلى أن نتساءل عن
علاقتنا بهذا الخالق المبدع، ولابد أن نطلع عندئذ على
الجواب الذي لا ثاني له وهو أننا عبيد مملوكون له. وهنا
يبدأ الإنسان باكتشاف هويته والاطلاع على مهمته التي خلق
في الدنيا لنهوض بها.
وعندئذ يتاح للإنسان أن يمارس حريته على وجهها الصحيح.
غذ يتكامل حينئذ طرفاها اللذان لا يمكن للحرية الإنسانية
أن تتكون إلا منهما معاً: الطرف الداخلي المتصل بأغوار
النفس، والطرف الخارجي المنسجم مع واقع الكون ونظامه.
إذن، فوجه الحاجة إلى الإسلام، أنه القاعدة الأساسية
التي لا تنمو شجرة الحرية الإنسانية بشكل سوي إلا في
تربتها، وانه الشعلة التي لا يستبين نظام الدنيا التي
خلقنا للتعامل معها إلا على ضيائها.
وجه احتياج الإنسان إلى الإسلام من قبيل حاجة الإناء إلى
غطائه، وحاجة الجسم إلى غذائه، ومن قبيل حاجة الأرض إلى
شمسها وحاجة الحياة الإنسانية إلى أصول رعايتها.
وأخيراً، فقد قصدت مما أوضحت، أن حاجة الإنسان إلى
الإسلام ليست حاجة ذرائعية، جاءت بسبب ضائقة اجتماعية
عابرة.. إنما هي نابعة من صلة ما بين الإسلام وهوية
الذات الإنسانية، أياً كانت هذه الذات وحيثما كانت تعيش
وهذا جزء يسير من معنى الحقيقة الكبرى التي تقول:
الإسلام دين الفطرة.
الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي
العودة
|