|
من
يستعرض أحوال المسلمين في العالم يجد كثيرا مما يحز في
النفس فهذه الأمة العظيمة ذلت بعد عز ، وضعفت بعد قوة ،
وهي لا تبالي بما حل بها .. وبما أن صلاح المجتمع مرهون
بصلاح الأسرة التي تصلح بصلاح أفرادها ، فإن متى بدأ
التغاضي في الأسرة عن فساد يطرأ على بعض أفرادها فقد
أوشكت تلك الأسرة على الانهيار وسرعان ما تنتقل العدوى
إلى المجتمع كله إذا غض الطرف عن انهيار أسرة فيه ، ولا
شك أن تلك الأسر المفككة ستكون عاجزة عن تحقيق النجاح في
أي ساحة من ساحات الكفاح بل ستشكل عبئا ثقيلا على أكتاف
مجتمعها ، وستسرع به إلى سقوط لا ينهض بعد إلا إذا
تداركنا الله تعالى بفضله .
وإذا
اعترفنا بأن الإسلام دين علم وعمل فكيف يمكن تحقيقهما في
غياب من يسهر على حسن سير العلم والعمل في المجتمع ويتخذ
ما يلزم من تدابير لإزالة كل ما يعرقل حسن العلم والعمل
ويقضي على الفساد في المجتمع بكل تبصر واهتمام . فهذا
التاريخ يحدثنا أن السلطان أحمد الأول العثماني أرسل
رسالة مع كبير حجابه إلى شيخ الإسلام في الدولة
العثمانية ( الشيخ محمد بن سعد الدين ) يسأله عن سبب
الخلل الطارئ على كيان الأمة وشؤون الرعية مع أن الله
وعد بنصر المؤمنين .
فتسلم
الشيخ الرسالة وكتب على ظهرها جملة "
مالي ولهذا الأمر " وأعاد
الرسالة إلى السلطان الذي اشتد غيظه وانفجر غضبه من هذا
الرد ، فأمر الشيخ بالحضور ، وأخذ يعاتبه ويغلظ له في
القوم : فقال الشيخ في رزانة وثبات : بل أجبت عن سؤالك
أدق جواب ، لأنه إذا كان اهتمام رجال الدولة وإفراد
الأمة بما يخصهم أنفسهم دون التفات إلى ما يعم ضرره أو
يشمل نفعه للجميع ويستمرون في قول مالي ولهذا الأمر
فعندها تعم المصائب وتحدث المتاعب ، لانصراف كل واحد إلى
منافعه الشخصية وعدم المبالاة بما يمس الجميع والصالح
العام .
فخجل
السلطان من تسرعه وعدم فهمه ، وسعى في إرضاء الشيخ .
فهذه
الحكاية من ذكريات التاريخ القريب حيث عانت الأمة من نفس
ما نعاني منه ، ونحن منذ تلك الدولة حتى يومنا لا نرى ما
يثلج الصدر ، نظرا لعدم وجود رجال مخلصين يسهرون على
شؤون المسلمين بحيث يدفعونهم للعلم والعمل ويبصرونهم
بالمخاطر والمفاسد التي تهدد كيان المجتمع عموما .
وقد اقتبسنا هذا الموضوع
من مقالات الشيخ الكوثري بشيء من التصرف ، وقد توفي
الشيخ الكوثري سنة 1371 ه
ويمكنك أخي القارئ ان
تقارن بين حالتنا وحالتهم وتقارن بين الحلول المقترحة
لنفس المشكلة في ذاك الوقت وهذا الوقت ... فإنها فعلا
ذكريات وواقع .
|