|
الغرفة
مظلمة ، لا تكاد ترى يدك فيها من شدة الظلام ، وإبراهيم
ممدد على فراشه في الجانب الأيمن من الغرفة ، وبقربه
مكتبة ضخمة يضع كتبه فيها وفي الرف الأسفل منها يضع
هاتفه القديم .
وفجأة ! رن الهاتف ، ترررن ، تررن ، ترررن ، يسمع
إبراهيم الصوت ولكنه يعتقد أن هذا الصوت هو صوت جرس
إنذار الحريق في الرؤيا التي كان يراها وهو نائم . ثم
عاد الصوت مرة أخرى ، ترررن ، ترررن ، تررن ففتح إبراهيم
إحدى عينيه ومد يده يتحسس مكان الهاتف ، و وضع يده على
السماعة إلا أن الصوت قد توقف .ثم عاد الصوت مرة أخرى
فقفز إبراهيم من فراشه وأخذ يفرك عينيه وهو يقول:
يا رب سهل !!
من يتصل بي في هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟!
يارب أحفظ والدي !!
ثم رفع سماعة الهاتف وقال: نعم من يتكلم ؟!
فلم يرد عليه أحد .. فقال مرة أخرى : ألو .. ألو ..
فأنقطع الخط .
فقال إبراهيم : إنكم شباب ضائعون ... تنامون في النهار
وتسهرون في الليل .
ثم عاد إلى فراشه ، وتمدد تحت الغطاء حيث كان الجو
بارداً ، وحاول أن يغمض عينيه،لكن جهاز الهاتف عاد يرن
من جديد .
فغضب إبراهيم وقام و رفع سماعة الهاتف بسرعة .
وقال: من يتكلم ؟
فرد عليه صوت خشن وقال: أنا غريب ..
فصرخ إبراهيم وقال: و ماذا تريد ؟!
الصوت : أريد رجلاً يشاركني همومي وأحزاني .
فشعر إبراهيم أنه قد أخطأ في خشونة رده .. وهدأ قليلاً
وقال : يبدو أنك قد أخطأت المنزل ؟
الصوت: لا ... أنا لست مخطئاً .. ألست أنت " إبراهيم "
فتعجب إبراهيم عندما سمع اسمه ، وأخذ يفكر في الصوت
وصاحبه ، وحاول أن يتعرف عليه ولكن بدون جدوى .
فقال: من أنت ؟ !
الصوت: قلت لك أنا غريب ؟!
إبراهيم: وكيف عرفت اسمي ؟!
الصوت: هذا ليس من شأنك .
إبراهيم: حسناً .. أخبرني عن اسمك .
الصوت: لا يفيدك معرفة أسمي ، ولكني أريد رجلاً أصارحه
ويصارحني ، حتى يخفف علي بعض آلامي وأحزاني ، فيواسيني
.. ولهذا اتصلت بك .. فإن كنت لا تريدني فاتركني وشأني .
فتردد إبراهيم ثم قال في نفسه .ماذا يضيرني لو تحدثت مع
رجل لا أعرفه ؟
ثم قال: تفضل .. هات ما عندك .
الصوت: وهو يتنهد : آه .. إنها همة الدعاة يا إبراهيم ..
إبراهيم: وهل تعني أن همتي ضعيفة ؟
الصوت: لو كانت همتك ضعيفة لما أردت أن أصارحك وتصارحني
– ولكني اخترتك من جملة الدعاة لأن همتك عالية .
إبراهيم: و ما أسباب ضعف الهمة ؟
الصوت: أعتقد أن هناك أسباب متعلقة بالداعية نفسه، وأخرى
متعلقة بالواقع الذي يعيشه .
إبراهيم: وما الأسباب المتعلقة بالداعية نفسه ؟
الصوت: كثيرة ، ولكن أذكر لك منها:
أولاً: عدم فهم بعض الدعاة لحقيقة دعوتهم وسر نشاطهم ،
فبعضهم يتحرك للدعوة وكأنها مهنة وقتية أو هواية طفولية
.
ثانياً: ضعف الإيمان ــ وبالأخص باليوم الآخرــ في قلوب
بعض الدعـاة ، ممــا يجعلهــم يتحركون للدعوة هواية لا
طاعة .
ثالثاً: عدم تحصن بعض الدعاة من فتن الحياة الدنيا، مما
يؤدي بعــد طـول عمـر دعـوي إلى ضعف قلوبهم وسقوطهم .
الداعية: نعم .. إنني أشاركك الرأي ، وأنا أشعر أن
النقطة الثانية تمسني جداً .ولكن ماذا عن الأسباب
الواقعية ؟ وهل تقصد أن الوظيفة أو الدراسة تؤثر في
الهمة ؟
الهمة: لا ليس هذا ما أردته ، ولكني أردت أن أقول أن
الأسباب الواقعية هي:أولاً: تآلب أعداء الله لضرب
الإسلام والحركات الإسلامية مما يؤثر في تأخير النصر
فيمل بعض الدعاة من الإصلاح وتضعف همتهم عن العمل .
ثانياً: تناحر أبناء الجماعات الإسلامية على الأرض التي
يعمل بها الداعية مما يدعوه إلى الإعتزال والإنطواء .
ثالثاً: إنتشار الفساد في البقعة التي ينشط فيها الداعية
مما يؤثر في حسن عطائه وقوة إنتاجه .
فهذه الأسباب ، وأنا حزين على وجودها ، ولكن الذي يسليني
هو التفاؤل بالخير، وحسن الظن بالله تعالى ، وأن الأمل
بالدعاة كبير فهم ملح البلاد وزهرة العباد .
الداعية: صدقت.. لقد أحسنت العرض ، وعرفت سبب همك وحزنك
، ولكني لم أعرف ما سبب اتصالك بي في هذه الساعة
المتأخرة من الليل ؟
الهمة: الحقيقة .. أنك تعجبني بهمتك وحركتك بالدعوة إلى
الله تعالى ... ولهذا أحببت أن أشكو لك بعض أمري .
الداعية: بارك الله فيك ، وسأبلغ رسالتك للدعاة إن شاء
الله ، ولكن أخبرني كيف السبيل لتنشيطك في قلوب الدعاة ؟
الهمة: أهم سبب هو: أن يعرف الداعية الغاية من خلقه وهدف
وجوده وأهمية الدعوة إلى الله تعالى، وهذا هو الجانب
العلمي .
- وأن يشتغل قلبه حرقة عندما يرى الفساد وضعف حال
المسلمين فيتحرك لنجدتهم وتعليمهم وهذا الجانب العاطفي .
فبالعلم والعاطفة يتحرك الداعية دائماً للعمل والبناء .
الداعية: وماذا عن الهمة بين الدعاة كذلك ؟ !
الهمــة: إنها أسرار ومشاكل خاصة ولا أستطيع أن أبوح لك
بكل شيء .
الداعية: اطمئني ، فإني أمين على حفظ الأسرار ، فأنا
أسترها وأستر أنيةأسترها. ومستودعي سراً تبوأت كتمه
فأودعته صدري فصار له قبراً (1)
الهمــة: إذا كنت كذلك ، فسأخبرك ببعض أسراري .
الداعية: تفضلي .
الهمــة: إن أكثر ما يضايقني من الدعاة أن يتأثر أصحاب
الهمة، العالية بأصحاب الهمة البالية، فيثبطون من عزمهم
، ويجمدون حركتهم .
الداعية: وماذا يضير ذلك ؟ فإنه مما قيل في الأمثال: "
لا يضير السحاب نبح الكلاب" .
الهمــة: هذا صحيح .. ولكن عندما تكون الغالبية من أصحاب
الهمم الأرضية ، فإنها تؤثر في أصحاب الهمم السماوية
ولهذا زعم بعض الأولين " أن صحبة بليد نشأ مع العلماء ،
أحب إليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجهال (1) .
فأنظر كيف أن للصحبة والمحاكاة أثراً ؟ !
الداعية: وكيف يتحقق ذلك بين مجتمع الدعاة ؟
الهمــة: أعني أنه لو سار إثنان من الدعاة ، أحدهما
سماوي الهمة والآخر أرضي ، فإما أن يحرق السماوي أخاه
بنار حركته فيتحرك معه ، أو أن يجمد الأرضي أخاه بثلج
ركوده أو برودة حركته فيجمد معه.
الداعية: وهل تضربين لي مثلاً على الهممة والحركة ؟
الهمــة: أنظر لنفسك فإنك صاحب همة عالية.
الداعية: جزاك الله خيراً .. ولكن أعني قصصاً و مواقف .
الهمــة: لك ما طلبت .. فأنظر إلى همة موسى عليه السلام
في فعل الخير والتحرك له ، وذلك عندما ذهب إلى الفتاتين
فقال الله تعالى على لسانهما:
( قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ) .
قال سيد قطب: فانظر إلى موسى – عليه السلام – وهو مكدود
قادم من سفر طويل بلا زاد ولا استعداد ، وهو مطارد ومن
خلفه أعداد لا يرحمون ، ولكن هذا كله لا يقعد به عن
تلبية دواعي المروءة والنجدة والمعروف وإقرار الحق
الطبيعي الذي تعرفه النفوس ( فسقى لهما ) (1) .
الداعية: الله أكبر إنها لهمة عظيمة .. حتى وهو مرهق ،
متعب ، مسافر يتحرك لله تعالى ، إنه لمثل جميل .ولكن
أريد مثلاً ، حدثت في زماننا هذا .
الهمــة: سأخبرك عن قصة للشيخ " محمد محمود الصواف" –
حفظه الله – فقد قال: ومرة سألني إبني " مجاهد " وعمره
بضع سنوات قائلاً : " بابا متى تتعشى معنا .
متى تأكل معنا ......؟!
وأنا مشغول يعلم الله بشبابي وبرجال الدعوة في كل
الأوقات فالدعوة إن لم تتواصل بالعمل والحب واللقاء
المتواصل لا يمكن أن تبين الرجال " (1 ).
وهكذا الداعية ينبغي أن يكون ذا همة عالية لا يغفل ولا
يتواني ، وذلك لأن " غفلة الداعية محنة لأنها صرفته عن
نصر ممكن ، يحققه له الجد والعمل الدائب ، وعن أجر وثواب
أخروي ليس له من مقدمة إلا هذا الجد " (2).
الداعية: إنها لمواقف جميلة جداً تدل على إهتمام الدعاة
بدعوتهم ،و قوة سعيهم لها بهمة عالية.
الهمــة: نعم ولهذا قال الشيخ: " عبدالله علوان " رحمه
الله : " حين يكون اهتمام الداعية بدعوته ومجتمعه وأمة
الإسلام كاهتمام برزقه وبيته ، وأهله و ولده " .
نقول:"إن الدعوة الإسلامية قد تركزت في بؤرة شعوره،
وتأصلت في أعماق وجدانه"(1)الداعية: ( وهو يسمع أذان
الفجر ينادي ) : جزاك الله خيراً على كل حال .. والآن هل
لديك كلمة
أخيرة توجهني بها لأنه لم يبق وقت على صلاة الفجر .
الهمــة: أحكي لك قصة تنفعك في حركتك وهمتك ، يحكي أن
رجلاً جهز ولده بمال ليتاجر به، وأراد بذلك يعده
للمستقبل ، فلما خرج رأى في طريقه ثعلباً قد عجز عن جلب
قوته ، ففكر من أين يأكل هذا الثعلب ؟ .
وإذا به يرى أسداً قد جاء بفريسته فأكل منها حتى شبع ،
ثم رمي بما بقى للثعلب فأكل منها .قال ذلك الشاب في نفسه
: ولم أتعب والله تكفل بالرزق للعباد ؟ فلما رجع إلى
أبيه حكى له ما رأى فقال أبوه:" أردتك سبعاً تأكل من
سعيك الثعالب ، لا ثعلباً تأكل من فتات السباع " (1).
ثم قالت الهمة معقبة:
وهكذا عالي الهمة فإنه يتحرك بسعيه وحركته مع الدعاة
إلى الله تعالى ، ولا يعيش هو على حركة غيره .
لا يرضى بالدون .
و لا يرضى بالخمول .
و لا يرضى بالركود .
الناس ينظرون إليه ، ولا ينظر هو إليهم .
دعاؤه دائماً " و أجعلني للمتقين إماماً " .
الداعية: بارك الله فيك .
وأرجو ألا تقطعي الاتصال بي .
ثم أغلق الداعية سماعة الهاتف .. وقال: " والهمة طريق
لبناء الأمة " .
اللهم اجعلني للمتقين إماماً .
من
موقع الأستاذ جاسم المطوع
www.almutawa.info/ara/article.php?sid=170
|