الصوفية وموضوعية الفهم والتعامل

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ، ثم الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصبحه ومن سار على دربه إلى يوم الدين ..

ثم أما بعد ...

فمن الأمور التي زلت فيها الأفهام ، وأخطأت فيها التعاملات ، قديما وحديثا ؛ هي مسألة التصوف ، وتعامل معها الناس إما بولاء تام وتبرير غير علمي ، وإما بنبذ واتهام وشطط بعيد عن منهج السلف الصالح ، رضوان الله عليهم ، وقليل من أنصف وعدل وأقام الميزان الحق في هذا الأمر .

·        منذ بداية عصر النبوة وقضية الأسماء والمسميات تصاحب حركة التاريخ الإسلامي ؛ للتمييز بين الطوائف بعضها عن بعض ، وبين مراتب الرجال وسبقهم وعطاءهم ، وكان القرآن الكريم يستخدم الأسماء والأوصاف للغرض نفسه ؛ ففرق القرآن بهذه التسميات بين المهاجرين والأنصار ، وبين من هاجر من قبل الفتح وقاتل ومن هاجر بعد الفتح .. وتتابع الأمر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وورد في خطابه عليه الصلاة والسلام هذا الأمر ، ولعل مثالا واحد يكفي ؛ ففي قوله عليه الصلاة والسلام : ( لعل الله أطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) " 1 " دليل واضح . ثم تتابع ذلك على مدار التاريخ الإسلامي وحتى أيامنا هذه ! ، فنجد اليوم جماعات إسلامية ومؤسسات عاملة لهذا الدين تجعل لنفسها اسما ، لنفس الغرض ، وما نحن بصدده من مصطلح " الصوفية أو التصوف " إن هو إلا أنموذج من هذه التسميات ، والذي ظهر في القرون الثلاثة الأولى ، المشهود لها بالخيرية ! . يقول أبو القاسم القشيري ـ وهم من أعلام التصوف ـ : ( اعلموا ـ رحمكم الله تعالى ـ أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية عَلم سوى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ لا فضيلة فوقها ، فقيل لهم الصحابة ، ولما أدركهم أهل العصر الثاني تسمى من صحب الصحابة بالتابعين ، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين الزهاد والعبّاد ، ثم ظهرت البدع ، وحصل التداعي بين الفرق ، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادا ، فأنفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف ، واشتهر الاسم لهولاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة . ) " 2 " .

وبغض النظر عما يحمله كلام القشيري من تزكية ابتداء للصوفية ، إلا أن المقصود من نقل كلامه هو طبيعة خروج التسميات بشكل عام ، وليس الحكم على التصوف ، وندرك أيضا أن قضية الأسماء والمسميات تحكمها ظروف وملابسات حتى يضع أهل ذلك العلم لأنفسهم تسمية تميزهم عن باقي الطوائف والمذاهب .

لكن مصطلح التصوف غدا اليوم من الألفاظ المجملة التي تضم صوابا وخطأ ، وحقا وباطلا ، لذلك وجب التفصيل قبل التسرع وإصدار الأحكام ، فيمدح إذا أريد به صوابا وحقا ، ويذم إذا أريد به خطأ وباطلا .

والميزان في كلا الحالتين هو كتاب الله عز وجل ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

قال تعالى : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ ) النساء : 59 .

ويقول سبحانه : ( وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) هود : 85 .

ويقول عز من قائل : ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) النساء : 58 .

" لكن عندما ينشب الخلاف ، وتثور العداوات يصبح كثير من الناس عاجزاً عن الإبصار بعينين ؛ فهو لا يرى إلا المثالب والمساوئ ، وحين تهب رياح المودة فإن كثيرين أيضا لا يبصرون إلا بعين الرضا ، ومن هنا جاءت دعوة شعيب عليه الصلاة والسلام واضحة صريحة للخلاص من هذه النقيصة ، حين نصح قومه { وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ } " . " 3 "

يقول ابن تيمية في هذا الباب : ( لفظ الفقر والتصوف قد أدخل فيه أمور يحبها الله ورسوله فتلك يؤمر بها ، وإن سميت فقرا وتصوفا ؛ لأن الكتاب والسنة إذا دل على استحبابها لم يخرج ذلك بأن تُسمى باسم أخر . كما يدخل في ذلك أعمال القلوب كالتوبة والصبر والشكر والرضا والخوف والرجاء والمحبة والأخلاق المحمودة . وقد أدخل فيها أمور يكرهها الله ورسوله ، كما يُدخل فيه بعضهم الحلول والاتحاد ، وآخرون نوعا من الرهبانية المبتدعة في الإسلام ، وآخرون نوعا من مخالفات الشريعة ، إلى أمور ابتدعوها ، إلى أشياء أخرى ، فهذه أمور ينهى عنها بأي اسم سميت ...) " 4 " .

 فالعبرة بالمسمى لا بالمسميات ، نحكم على ماهية الشيء بأي اسم كان ، ولا نقف على ظاهر الأمر ، وسطحية التعامل مع المسميات ، فإن هذا خلل في الفهم والممارسة الفكرية والعملية ، وسنجد أنفسنا متناقضين حين ينشئ أحدهم ـ مثلا ـ  حزب الصحابة الكرام ـ ونفرح بهذه التسمية ونحبها ، ونغفل عن انحرافات كثيرة في فكر هذا الحزب أو الجماعة ! ، فهل يستقيم الأمر ، كلا ، نقبل الحسن الصحيح من أي كان ، ونرفض القبيح المرفوض من أي كان ، والميزان هو كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام .

والذي يهمنا كطلبة علم وطالبي الفهم الصحيح ، ليس الأسماء ، بقدر ما يهمنا المضمون ، وفقا للقاعدة المعروفة ( العبرة بالمسميات لا بالأسماء ) أو ( العبرة بالمسميات والمضامين ، لا بالأسماء والعناوين ) ، فما هي حقيقة الصوفية في أصلها الذي بدئت منه ؟ 

·        إن معرفة تاريخ وظروف ظهور التصوف أو الصوفية أمر مهم في معرفة حقيقة ماهية التصوف ، فقد ظهرت عندما طغت المادية ، وغلّب الجانب العقلي ؛ الجانب الماديّ ، نتج عن الترف الذي أغرق بعض الطبقات ، بعد اتساع الفتوحات ، وكثرة الأموال ، وازدهار الحياة الاقتصادية ، مما أورث غُلوًّا في الجانب المادي ، مصحوبًا بغلوّ آخر في الجانب العقلي ، أصبح الإيمان عبارة عن "فلسفة" و "علم كلام" "وجدل" ، لا يشبع للإنسان نهمًا روحيًا ، حتى الفقه أصبح إنما يعنى بظاهر الدين لا بباطنه ، وبأعمال الجوارح . لا بأعمال القلوب وبمادة العبادات لا بروحها . ومن هنا ظهر هؤلاء الصوفية ليسدُّوا ذلك الفراغ ، الذي لم يستطع أن يشغله المتكلمون ولا أن يملأه الفقهاء ، وصار لدى كثير من الناس جوع روحيّ، فلم يشبع هذا الجوع إلا الصوفية الذين عنوا بتطهير الباطن قبل الظاهر ، وبعلاج أمراض النفوس ، وإعطاء الأولوية لأعمال القلوب ، وشغلوا أنفسهم بالتربية الروحية والأخلاقية ، وصرفوا إليها جُلَّ تفكيرهم واهتمامهم ونشاطهم . قال ابن خلدون في مقدمته : " وهذا العلم ـ يعني التصوف ـ من العلوم الشرعية الحادثة في الملَّة ؛ وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة ، والانقطاع إلى الله تعالى ، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها ، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق، والخلوة للعبادة، وكان ذلك عامَّاً في الصحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية " " 5 " .

فلم يظهر هذا المصطلح في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا صحابته الأبرار ، إنما ظهر في أواخر عهد التابعين ، والسبب في ذلك أنه لم يكن هناك حاجة لظهور من يدعو إلى تلك المعاني التي حمل لوائها الصوفية فيما بعد ؛ لأن أهل هذا العصر ـ عصر الصحابة ـ كانوا أهل تقوى و ورع ، وأرباب مجاهدة وإقبال على العبادة بطبيعة حالهم ، وبحكم قرب اتصالهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كانوا يتسابقون ويتبارون في الاقتداء به في أحواه كلها ، ولم يكن ثمة ما يدعو تلقينهم علما يرشدهم في أمرٍ هم قائمون به فعلا ، ومثلهم في ذلك مثل العرب القُح ؛ فإنه لا يحتاج إلى دراسة علوم النحو والبلاغة وغيرها من العلوم اللغوية ، وإنما يحتاجها من فشا اللحن في لسانه وضعف ذوقه في التعبير .

والمتتبع لمنشأ العلوم الإسلامية عامة يجد أن كل علم أحاطت به ظروف ، دفعت الغيورين عليه لتأصيله وتدوينه ووضع الضوابط التي تضمن عدم انحرافه ، وبقائه في الأمة ، ليحفظ من الضياع والاختلاط ، وكل علم يصلح أن يكون مثالا واضحا لهذا الزعم الذي أقوله ، وهو أمر مسلم به عند أهل العلم .

لذلك تم تأصيل علم التصوف وأطلق عليه هذا الاسم الذي لم يكون موجودا من قبل ، فلم يكن موجودا من قبل ، لكن عندما اتسعت رقعة الإسلام ، ودخل في الإسلام أمم شتى كانت تعيش في الباطل ، واختلطت تلك الأمم بالمسلمين ، تأثر المسلمون بذلك وضعف عندهم هذا الجانب ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى تأثر المسلمون بما جلبت لهم تلك الفتوحات الإسلامية من غنائم وخيرات ، زُينت الحياة الدنيا لهم ، فضعف الجانب الإيماني ، وضعفت المعالجات القلبية لدى الناس ، وأصبحت هذه المسائل سلعة غير رائجة ، بل وبضاعة مجزاة عند كثير من المسلمين وقتها ، والتي كانت عند أسلافهم تمثل رأس مالهم ، وذروة عيشهم ، عند ذلك كله أنبرى من ينادي بتلك المعاني من جديد ؛ تذكيرا للناس ، وتعليما للجاهل منهم ، وتحذيرا من زخرف الحياة الدنيا ، ضاربين من أنفسهم الأمثلة العملية في ذلك ، وقدوة حسنة للتحقق بتلك المعاني الربانية .

·        فهي منهج ومسلك تربوي يركز على أعمال القلوب والعبادات والقربات إلى الله تعالى عز وجل ، لينجو المسلم من كل الآفات قدر الإمكان ؛ فطهارة النفس ، ونقاء القلب ، والمواظبة على العمل ، والالتزام والإلزام به ، والإعراض عن الخلق بقلة الخلطة ، وكثرة الصمت وضبط اللسان وعفته ، والإكثار من الذكر وقراءة القرآن وأنواع العلوم ، والحب في الله ، والارتباط على الخير ، وأخذ العهود في ذلك ... ألخ ، ليحصل المسلم ويصل إلى مقام الإحسان ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) " 6 " هذه هي المعاني التي يركز عليها التصوف النقي كمسلك تربوي . ومما لا شك فيه ـ عند المنصفين ـ أن الصوفية قد بلغوا مرتبة عالية في علاج النفوس ودوائها ، وطبها والرقي بها ، بلغوا مبلغا لم يصله غيرهم من المربين ، ومن طالع كلام أعلامهم المشهود لهم من أهل العلم بالتوثيق والعدالة ، وأضاق نفسه مجانبة الهوى ، وتجرد وأقبل على كلامهم بمكيال الكتاب والسنة ، وجد دقة كلامهم على النفس وغوائرها ، وانشرح صدره وإيمانه لقبول أقوالهم وطريقتهم في التربية . على أننا لا ننكر وجود من خلّط وانحرف وبالغ للحد الذي يجعله يقع في بدع كبار ، إن لم نقل كفر صريح ، وفق الكتاب والسنة كذلك ، لكنني أهمل هؤلاء المنحرفين ، لوضوح شذوذه وشذوذهم ، ولأن الجانب المظلم في الصوفية بات مضيئا في عقول الكثيرين من طلاب العلم اليوم وشباب الصحوة الإسلامية ، بالرغم من أن أحادية النظرة خلل في التفكير ، وهذه الأحادية آفة واضحة اليوم في الكثير من الشباب المتحمس المنتسب للسلف ، بل ولدى بعض الدعاة أيضا ! .

لنأخذ جولة في كلام أهل التصوف الطاهر أول الأمر ، ومن قادة هذا الفن :

·        قال الإمام الجنيد " 7 " : ( التصوف استعمال كل خلق سني ، وترك كل خلق دني ) " 8 ".

·        وقال : ( طريقنا هذا ـ أي التصوف ـ مضبوط بالكتاب والسنة ) " 9 "

·        قال أحمد زروق " 10 " رحمه الله ( التصوف علم قصد لإصلاح القلوب ، وإفرادها لله تعالى عما سواه. والفقه لإصلاح العمل ، وحفظ النظام ، وظهور الحكمة بالأحكام . والأصول "علم التوحيد " لتحقيق المقدمات بالبراهين ، وتحلية الإيمان بالإيقان ، كالطب لحفظ الأبدان ، وكالنحو لإصلاح اللسان إلى غير ذلك ) . " 11 "

·        وقال : ( وقد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين ، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى ، وإنما هي وجوه فيه ) " 12 " .

·        وقال الإمام السهروردي : ( الصوفي : هو الذي يكون دائم التصفية ولا يزال يصفي الأوقات من شوائب الأكدار بتصفية القلب عن شوائب النفس ، ويعينه على كل هذه التصفية دوام افتقاره إلى مولاه ، فبدوام الافتقار ينقى من الكدر ، وكلما تحركت النفس وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفر منها لربه ... وهذه القوامية لله على النفس هي التحقق بالتصوف ) " 13 " .

·        قال ابو الحسن الشاذلي : ( التصوف : تدريب النفس على العبودية ، وردها لأحكام الربوبية ) " 14 " .

·        قال سهل بن عبد الله التستري : ( الصوفي من صفا من الكدر ، وامتلأ من الفكر ، وانقطع إلى الله من البشر ، واستوى عنده الذهب والمدر ) " 15 " .

من هذه الأقوال يتضح لنا بأن التصوف في أصله صحيح مقبول موافق للكتاب والسنة ، ولذلك قال ابن تيمية : ( وَأَمَّا أَئِمَّةُ الصُّوفِيَّةِ وَالْمَشَايِخُ الْمَشْهُورُونَ مِنْ الْقُدَمَاءِ :
مِثْلُ الجنيد بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَتْبَاعِهِ وَمِثْلُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ وَأَمْثَالِهِ فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ لُزُومًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَتَوْصِيَةً بِاتِّبَاعِ ذَلِكَ
) " 16 "

و من خلال ما ذكر آنفا نخلص إلى عدة نقاط :

·        العبرة بالمسميات لا بالأسماء .

·        يجب أن نزن الأمور بالعدل والإنصاف .

·        لا نغفل عن الوقت التاريخي لظهور التصوف والظروف المحيطة بذلك .

·        حقيقة التصوف مسلك تربوي عبادي يعنى بتربية النفس .

·        لا نبخسهم دورهم وحقهم وعلمهم .

·        كلام أئمة التصوف الأولين كله موافق لشرع الله ، وهم أئمة في دين الله .

·        وهؤلاء الأئمة أول الناس رفضا ومحاربة لكل مخالفة شرعية .

  اما بعد هذه المقدمات المهمة :

 1.     توسع التصوف وراج أمره ، ودخل فيه الناس ، بحسب أحوالهم وأهوائهم وعلمهم ، فكان منهم الغث والسمين ، الصالح وغير ذلك ، وبدأ الانحراف يدب فيه ، بدرجات مختلفة ، فمع مرور الزمن حدث التساهل ، وحدث معه الانحراف ؛ سواء على مستوى الاعتقاد ، أو مستوى السلوك ، وهذا الانحراف له أسبابه الكثيرة ، منها :

 ·        عدم تحلي بعض المشايخ في الطرق الصوفية بالعلم الشرعي ، الذي يعصم السير من الزلل والانحراف والابتداع في الدين ، خلافا لسابقيهم من أعلام التصوف الذين يشهد لعم بالعلم والتقوى معا .

·        اعتقاد بعض المتصوفة في مشايخهم اعتقادات منحرفة عن نظرة الإسلام للرجال ، وصل في كثير من أحيانه إلى حد التقديس والقول بالعصمة ، وأن الشيخ له علاقة خاصة بربه ، وأشياء أخرى من الخرافات كأن يقال بأن المدد يأتيهم من السماء ، واتسعت هذه الدائرة لينشأ عنها التفاخر بين الأتباع كل بشيخه وما يحدث له من خوارق العادات أو الكرامات .

·        التباس الرؤية عند بعضهم في النظرة إلى كرامات المشايخ ، وعدم يميزهم بين الكرامة وتلبيسات الشيطان ، وهذا ما دفع ابن تيمية لكتابة كتابه ( الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) فقد كان عصره يعج بأمثال هؤلاء المنحرفين ، فكان جوابا وافيا لهم وعليهم .

·        دخول أصاحب الأهواء في التصوف و وصولهم إلى مراكز التأثير في الطرق الصوفية ، والانحراف بها ، وفقا لأهوائهم وتحقيقا لأغراضهم ومكاسبهم الذاتية .

·        تأثر بعض الطرق الصوفية بالداخلين الجدد في الإسلام من الأمم الأخرى ، مثل الفرس والهند والروم ، والذين لم يخلص انتسابهم لدين الله ، ودخلوا هذه الطرق بما عندهم من خرافات وكفريات وأذاعوها بين الصفوف فضلوا وأضلوا .

·        ومنها ، أن هذا الطريق ـ طريق الاهتمام بالجانب الروحي ـ يضفي شعورا في النفس بالصفاء والطمأنينة ، لكن هذا الشعور إن لم يكن صاحبه محاطا بتوفيق من الله أولا وأخرا ، ويستشعر دائما أنه بغير ذلك لن يستقيم أمره ، ويكون على علم وبينة بضوابط الشرع الحكيم التي تنير وتؤصل له طريقه هذا ، فإن صاحبه أكثر من غيره عرضة لتلبيسات الشيطان ، لأنه يظنها حالة من حالات الكرامة والرضا من الله ، بينما هي ـ إن تعرت من الشرع ـ مدخل ومزلق من مزالق الشيطان ، لذا كتب ابن الجوزي " 597 هـ " كلاما طويلا في تلبيس إبليس عن أولئك المتصوفة ، غير أنه بالغ ولم يكون موضوعيا ، وكلام ابن تيمية " 728 هـ " أجود منه .

 2.     ساهم المستشرقون في تشويه صورة التصوف ، زاعمين أن التصوف فكر عالمي ، فمنه التصوف البوذي ومنه الهندي والنصراني ، الأمر الذي يجعل النفرة كبيرة لدى بعض المنتسبين للسلف من مجرد اسم التصوف والصوفية ، بل أمست التسمية عند بعض الجهال إلى نوع من المسبة والتعيير .

 3.     تنوعت الطرق الصوفية وتعددت الاجتهادات ، واختلط الحابل بالنابل كما يقولون ، وأمسى التفريق يصعب على طلاب العلم في بدء سيرهم العلمي ، وبات التعامل معهم على ثلاثة أحوال :

الأول : الاعتقاد أنهم على الصواب وأنهم على وراثة النبوة ، وأنهم أفضل الخلق .

الثاني : الاعتقاد أنهم على ضلالة وانحراف ، يجب محاربتهم وفضح عوراهم ونبذ كل شي منهم ، وفي بعض الأحيان إخراج كل التصوف عن أهل السنة والجماعة .

الثالث : الاعتدال في الحكم ، ومجانبة التعميم ، وأخذ أحسن ما عندهم ، ورد ما فيهم من مخالفات .

 والحق فيهم هو المذهب الثالث ، قال ابن تيمية : ( والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله ، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ، ففيهم السابق المقرب بحسن اجتهاده ، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين ، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب ، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه ، عاص لربه ) . " 17 "

 وقال ابن القيم في مدارج السالكين عما يقع من شطحات وانحرافات لدى بعض المتصوفة ، قال رحمه الله : ( هذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس:

إحداهما: حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ، ولطف نفوسهم ، وصدق معاملتهم ، فأهدروها لأجل هذه الشطحات ، وأنكروها غاية الإنكار ، وأساءوا الظن بهم مطلقا ، وهذا عدوان وإسراف ، فلو كان كل من أخطأ أو غلط : ترك جملة ، وأهدرت محاسنه ، لفسدت العلوم والصناعات ، والحكم ، وتعطلت معالمها .

والطائفة الثانية : حجبوا بما رأوه من محاسن القوم ، وصفاء قلوبهم ونقصانها ، فسحبوا عليها ذيل المحاسن ، واجروا عليها حكم القبول والانتصار لها ، واستظهروا بها في سلوكهم .

وهؤلاء أيضًا معتدون مفرطون.

<