فقه الأحكام السلطانية

 مقدمة الكتاب و تنزيله من اخر الصفحة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا .

وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه ، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما . وبعد :

لعل مما يربك الصحوة الإسلامية ، في مواجهتها لنظم الحياة المعاصرة ، وحوارها مع المخالفين والمناصرين ، عدم وضوح نهج سياسي إسلامي رشيد في الفقهيات المعاصرة ، مما يفرض الاتجاه إلى هذا الصنف من الدراسة والبحث ، وإيلاءه ما يستحقه من عناية ، لاسيما وتحدي الديموقراطيات الغربية ذات الأصل اليوناني قائم ، ومدجج بمختلف علوم العصر وأسلحته الفكرية والمادية والاقتصادية  وأبناء المسلمين أقبلوا عليه يغرفون بانبهار وانهيار .

ولعل الجواب الذي تفرض صياغته علينا الظروف الحالية ، وتحدياتها السياسية المعاصرة ، لابد أن يكون عن سؤال قديم حديث هو :

ـ ماذا ينبغي أن نختار أولا ؟ حاكما أو نظام حكم ؟

   ـ خليفة أو نظام خلافة ؟ مدبرا لأمرنا أو نظام تدبير له ؟

 هذا التساؤل ، رافق الإنسان منذ هُدي إلى تجمعه الفطري على أساس الأسرة ، ثم القبيلة ، ثم الأمة .

ولئن عرفت الإنسانية طيلة عمرها الموغل في القدم ، حكاما ولم تعرف نظم حكم، فإن فطرتها كانت دائما تطمح إلى منهج يحقق لها الحرية والكرامة والعدل والمساواة . وكلما أُرْسلتْ إليها نبوة صادقة هادية ، تأخذ بيدها إلى صراط مستقيم  عتَّمت عليها الجاهلية ، وحرَّفَ تعاليمَها حكمُ الاستبداد ، بدءاً بالملك الإله ، والرئيس المتصل بالعقل الفعال ، والإمام المعصوم ، والسلطان الذي يقطع رقاب المخالفين والمحتجين .

ولئن حاول أرسطو أن يتمرد على الحكم الفردي المستبد ، والمدينة الفاضلة الأفلاطونية التي يرأسها نائب عن " واجب الوجود " ، وأن ينظّر لفكرة سيادة الدستور ، الذي يقوم مقام الحاكم ، ويسد مسده ،  مما تحاول أمم الغرب المعاصرة تطويره تحت مفاهيم الديموقراطية بمدارسها المختلفة ، برلمانية ورئاسية ومجلسية ، مباشرة وغير مباشرة ؛ فإن ذلك لم يخرج مطلقا عن مفهوم " الحاكم والمحكوم " ، وإن خَفَّف من غلوائه وتجبره وتسلطه .

ذلك أن المبادئ القويمة للعدالة والمساواة والكرامة ، تقتضي ألا يكون بين البشر حاكم ومحكوم . وإنما اشتراك في التدبير العام لأمرهم ، حسب مقاييس القدرة والخبرة والصلاحية والتوزيع العادل للمهمات ، والاستفادة المتوازنة من الخيرات .

وهذا ما قرره القرآن الكريم بقوله تعالى  )وأمرهم شورى بينهم( ، وأكدته النصوص قطعية الثبوت والدلالة في عدة أحكام يتعذر استقصاؤها وحصرها في هذه المقدمة .

هذا ما كان عليه أمر المسلمين زمن النبوة الخاتمة ، وفي عهد الخلافة الراشدة ، مما ينسف فكرة " الحاكم والمحكوم " من أساسها ؛ إذ الحكم لله ، والناس مسلطون على أمرهم الدنيوي ، في إطار العقيدة والتزاما بشريعتها .

ومع أن الرسول r  بَيَّن لنا أنْ ستكون " خلافة على منهاج النبوة " [1] فيـما رواه صحيحاً ، أحمد والترمذي؛ ورسول هذا المنهاج r خاطبه ربه - عز وجل - بقوله:  

) - فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (  الغاشية 22

) -وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ( - ق 45

 وقال هو عن نفسه : " لست بملك ولا جبار " .

ومع ما يضفيه التعبير النبوي " خلافة على منهاج النبوة  " ، من صفات بيّنة واضحة المعالم ، لنظام أمر المسلمين ؛ نهجا للتدبير العام ، تَسْتَخلِفُ فيه الأمة لخدمتها وتنفيذ أمرها من تشاء ، وتضع لذلك من النظم والأساليب ما يحقق مصلحتها ويحفظ شريعتها ؛ فإن النظام السياسي للمسلمين منذ وقع الانقلاب على الخلافة الراشدة ، ارتكس في حمأة الاستبداد ، وحاكمية العباد للعباد ، وتسلط الأقلية على الأغلبية ، واحتكار الأقوياء للسلطة والخيرات ؛ سواء في مساره العملي لدى جميع الممالك والإمارات والمشيخات والجمهوريات ، أو في مساره التنظيري لدى فلاسفة المسلمين الذين تبنوا نظرية الحاكم المعصوم المتصل بالعقل الفعال ، أو الفقهاء الذين تبنوا نظرية خليفة الله في أرضه على عباده . فكانوا على مدار أربعة عشر قرنا ، تبعا لمن بيده الأمر، يبررون انحرافاته ، ويضفون على رعوناته وتصرفاته من القدسية ما تنكره القلوب الحية والعقول السوية ، وترفضه العقيدة تصورا وشريعة ومنهاج سلوك .

هذه نقطة ضعف مسار الصحوة الإسلامية المعاصرة ؛ إذ تدعو إلى نظام تدبير سياسي غير واضح المعالم . مما يبرر لخصومها تساؤلهم عن طبيعة المشروع السياسي في الإسلام ، إن بقلب سليم أو بقصد خبيث ؛ لذلك فإن محاولة تطوير الفقه السياسي لدى المسلمين ، بما يعيد الأمة إلى نظام " الخلافة على نهج النبوة " ، ضرورة ملحة يفرضها واقع الظلم والعسف والاستبداد ؛ ويفرضها تقارب الزمان والمكان وفشو القلم والإعلام ، وحِدَّةُ تحدي الآخر ، مما جعل الكرة الأرضية قرية واحدة ، بل أسرة واحدة تأثيرا وتأثرا ؛ كما تفرضها القيم الحديثة السائدة ، قيم الحوار وحرية الفكر والمعتقد ، مما يفتح آفاقا شاسعة للإقناع بدعوة الحق ، عقيدة ومنهاج حياة ، سياسة وتدبيرا ، تصورا شاملا متكاملا لحياتي الدنيا والآخرة .

هذا ما نعالجه في هذه الدراسة المتواضعة ، بمحاولة دفع الفقه السياسي لدى المسلمين، خطوة إلى الأمام أو خطوتين . فإن لم نستطع ، فبالنقد وتبيان أوجه الخطإ والصواب ؛ وإلا فبإثارة اهتمام القادرين والمتخصصين ، وحَفْزِ هِمَم الصادقين المخلصين ، وذلك ـ لعمري ـ مكسب ليس بالهين .

عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي


                                 تنزيل الكتاب كاملا ومضغوطا

                                           إضغط هنا

                              يمين الماوس واختر save target as

 



 

مصمم للعرض بدقة (768 × 1024)