آلية وتطبيقات الكفر والتكفير

" آلية وتطبيقات الكفر والتكفير " دراسة مختصرة تسهل المعرفة وترتقي بالأفهام وتنير البصيرة لكل من تمارس ضده جريمة ( الحرمان الفكري والتضليل ) بواسطة سلطات القهر والغلبة وعلمائها وعمالها .

أخي القارئ الكريم .. إن سلطات القهر والغلبة وبواسطة علمائها أوجدت وتوارثت عدة مفاهيم وتعاريف ومصطلحات مغلوطة أو ناقصة تتيح لها ممارسة القهر والتسلط والاستبداد والتغطية والحجب والتعتيم دون حرج ودون حياء وخجل ودون خوف ووجل من ردة فعل الذين تمارس ضدهم تلك الممارسات الظالمة ، وهذا يفسر عدم حيوية الأمة والشعوب الإسلامية والعربية وضعف ردود أفعالها ضد الظلم والبغي والتسلط والاستبداد ، فلقد أستخدم الدين - ومنذ القدم - في تكبيل الأمة وتخديرها وشل حركتها وسلب إرادتها ، فعلماء السلطة المتسببين في ذلك يعتبرون أقوى خط دفاعي يتمترس ورائه الظلم والتسلط والاستبداد ، فبتحييدهم فقهيـا وفكريـا من خلال توضيح وكشف الحقائق ومواجهتهم بالحقيقة وإظهار جواهر الأفكار ستجد الأمة حريتها وإنسانيتها وعافيتها وحركتها الفطرية الطبيعية بعد ما تتحرر إرادتها لتشارك في نهضة الإنسانية ولتقدم ثمرة خبراتها وعلومها ومعارفها وثروتها وتجعلها في خدمة ارتقاء وبقاء الجنس البشري لتصوب مسيرته بالحياة .

أخي القارئ الكريم .. إن كل تعريف ومفهوم ومصطلح يتعلق بالحكم وبالعلاقة بين الحاكم والمحكوم وحقوق الناس وضرورات حياتهم الإنسانية وطبيعة العلاقة مع الآخرين يجب أن تعاد دراسته ويعاد بحثه وتعريفه وتحديده بشكل واضح وصريح لا لبس فيه حتى يكون بوضوح تحديد قبلة المسلمين ، فهذا ما يستلزمه الطور القادم .. طور الانفتاح والصدق والوضوح والشفافية .. طور التآلف والمحبة والسلم والسلام ، طور دين الإسلام .. دين السلم والسلام ، فالتعاريف والمفاهيم التي أوجدتها سلطات القهر والغلبة إذا كانت تنفع في وقت ما من الزمن وتستخدم من قبلهم في محاصرة وقهر أهل أمارة من الإمارات أو دولة من الدول أو مملكة من الممالك فهي لا تنفع للانفتاح على العالم ونقل رسالة الإسلام العالمية وتبليغها للآخرين .

أخي القارئ الكريم .. سنتناول في رسالتنا التالية مسألة ( الكفر والتكفير ) وما أنتقص وبدل منها ونسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى ، ونسأل الله جل علاه أن يرد الأمة إلى دينها وإلى حظيرة الإيمان ردا جميلا ، اللهم آميــن .

 

الكفر والتكفير .

بسبب عدم وضوح معنى ومفهوم مسألة الكفر والتكفير أصبح هناك خلافا بين أصحاب المدرسة السلفية السلطانية * على تكفير الحكام والآخرين وماهية الكفر والتكفير ونتائجه ومضاعفاته ، فهي انقسمت على نفسها بين ثائر مُكًّفِر .. وحائر يعيد النظر ويتفكر.. ومستسلم خائر يدافع عن كل فاجر ، والسؤال ، هل الآخرين كفار أم غير ذلك ؟ ، كما حدث خلافا على تكفير المجتمع الذي حكمته قوى القهر والغلبة وتسلطت عليه ، حيث أصبح تكفير شخص ما يترتب عليه إخراجه من الملة واستحلال دمه وماله ...الخ ، وهل هو من أهل النار المخلدين أم لا ..الخ ؟ ، وبسبب هذا الخلاف يتضح لنا بأن من عمم مفهوم مسألة الكفر والتكفير على الأمة كان يستغل الأمة في حرب وقتال الآخرين بعد استعدائها عليهم وهو كان يستغلها في السيطرة على مقدرات وقدرات الأمة لتوجيهها من صالحة وصالح تثبيت أركانه وبنيانه السياسي على حساب وعي الأمة ورقيها وتقدمها ووحدتها وتآلفها مع الآخرين ، حيث أنه أعتبر الكافر هوية يجب مقاتلتها ومواجهتها بسلطان القوة ، بينما هي حالة يجب معالجتها بسلطان العلم ما أمكن ذلك ، ولا إكراه في الدين .. والله هو الهادي الودود .

 فالكفر هو تغطية الشيء وستره ، وهو كتم الحق مع العلم به ، أو جحد الحق ، والكفار هم الذين يكتمون ويجحدون الحق بعد العلم والبينة وهم الذين أنكروا بعد المعرفة .

 لكي لا ندخل في متاهات التفاسير والتعاريف التي أوجدها علماء السلطة وورثوها وتوارثوها من أجل تكفير وتغطية وحجب الحقائق ( Covering The Facts ) سنطرح أمثله تسهل علينا الخروج من هذا المأزق والمتاهة والوقوف على أصل المسألة وما يهمنا منها وتطبيقاتها في واقعنا المعاصر وعلى حياتنا العملية ، والمسألة تتجاوز التعريف المبهم الذي أوجده علماء السلاطين ، فهم جعلوا الأمة أمام متاهة فكرية وحيلة سياسية وفتن تجعل الحليم حيران .

المـثال الأول : عندما نشعل شمعة في غرفة مظلمة فتلك الشمعة ستنير لنا الغرفة ، وعندما نقوم بتغطية شعلة الشمعة بغطاء ( Cover ) سينطفئ نور الشمعة وستصبح الغرفة مظلمة .

 

المثال الثاني: عندما استخرج مجموعة من نتائج التجارب وأعرضها على العقل سوف أنير العقل بنتائج التجارب ، وهكذا يصبح العلم نور ، أي نور للعقل ، وعندما أخفي وأحجب وأغطي نتائج التجارب عن العقول تصبح العقول عقول مظلمة .

 في المثال رقم ( 1 ) تم شرح وتوضيح آلية التكفير أو الحجب والستر والتغطية ونتائجها ( فيزيائيا )  ، في المثال رقم ( 2 ) تم شرح وتوضيح آلية التكفير أو الحجب والستر والتغطية ونتائجها ( فكريا أو عقليا ) ، و بعد ذكر المثالين سنَعْبـُر إلى الواقع الاجتماعي والسياسي ، فكيف تحدث المسألة ؟ وكيف تحدث الظلمة في حياة الناس ، وما هي الأشياء التي يتم تكفيرها وتغطيتها وسترها ؟ ، وما هي آليات وأدوات التكفير والستر والتغطية ؟ وما سنذكره لا حقا يلاحظه كثير من الناس ولكنهم لا يربطونه بمسألة الكفر والتكفير ولا يتدارسون المسألة بعمق ، خاصة في ظل الإرهاب والحصار والتضليل الفكري الذي تمارسه سلطات القهر والغلبة بواسطة علمائها وعمالها ، فمثل تلك المسألة وغيرها من المسائل تُطْمـَر وتُدْفَـن في النفس البشرية بسبب الخوف والقهر والتسلط والاستبداد وهي بانتظار أجواء الحرية والصدق والوضوح والشفافية لكي تبحث وتبعث مع جواهر الأفكار التي غطتها وسترتها سلطات القهر والغلبة والاستبداد كما غطت وغيبت الحقيقة ، حقيقة لا إله إلا الله محمد رسول الله ، حقيقة عقيدة التوحيد .. حقيقة الإسلام .

أخي القارئ الكريم .. إن هناك حلقات فكرية وفقهية مفقودة - ومنذ القدم - والأمر رتب من قبل المدرسة السلفية السلطانية – سلفية القهر والغلبة - على هذا الأساس لكي يُفصل الدين عن الحياة وعن السياسة ، وهذا الأمر يفسر تخبط وعدم انضباط وترابط وتماسك ووضوح الخطاب السلفي السلطاني خاصة في مجال السياسة وإدارة المجتمع ، حيث أنه أصبح خطابا ملفقا يفصل الدين عن الحياة ، والخطاب السلفي السلطاني به الكثير من الثغرات لأن عالم السلطة يقرأ سطر ويترك عشرا وبحسب هوى سلطة القهر والغلبة ، فلذلك لا تجده مترابطا وصريحا وواضحا ، فما يقوله عالم السلطة يخالف ما يذكره لسان حال الواقع الذي لو استنطقته لنطق بالحق ولأغنى العقول وأنارها ، فهو عكس خطاب علماء السلطة الذي أصبح خطابا يظلم العقول ويحد من أفقها ويشتت الذهن ولا يتطابق مع الواقع مما يجعل الإنسان المستسلم لذلك الخطاب في حالة غير طبيعية ويصعب عليه قراءة الواقع بعمق وقراءة آيات الله في الآفاق والأنفس ، وهذا يفسر تخلف أمة اقرأ عن القراءة ، لأنها أمة أصبحت تقرأ باسم الحاكم والسلطان وليس باسم الرحمن بعد ما سكنها الخوف من سياسة القهر والاستبداد وبعد ما أسكنت في قلوبها صنميه الأشياء والأشخاص. فلنقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) بعد ما نستعيذ من الشيطان الرجيم .   

إن سلطة القهر والغلبة الظالمة تتبنى قيم تكفر - أي تحجب وتخفي وتستر- المظهر الاجتماعي للعبادة والذي تكون ثمرته التطبيق العملي للإيمان ، وهذا المظهر يتمثل في ( الزكاة وإقامة العدل والمساواة وتكافؤ الفرص وإشاعة الحرية والمشاركة السياسية الحقة العادلة ) ، لأن هذا المظهر وتلك القيم المحجوبة والمبعدة عن الواقع الاجتماعي والسياسي تقيد أصحاب السلطة عن احتكار المال والعبث به وفق أهوائهم كما تضع حدا لاستبدادهم واستهتارهم وهيمنتهم على مقدرات الأمة .

 

قال تعالى ( قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (14) ) ( الحجرات )

وبناء على ما تقدم من شرح يمكننا اعتبار ما جاء في خبر الوحي الصادق - الكتاب والسنة – كذلك نور ، قال تعالى (  ياأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) ( النساء ) ، فهي أنوار ربانية تنير القلوب والعقول وحياة المجتمع ، يقوم بتكفيرها وبحجبها وبتغطيتها بحيل فكرية وسياسية من يريد للناس أن تعيش في الظلمة وفي ظل القهر والظلم والاستبداد ، ولذلك العمل مضاعفات على عقول وأفئدة وأنفس وحياة أفراد المجتمع ، والمجتمع في تلك الحالة سيكون ضحية التعرض لعلمية يمكننا تسميتها بـ ( حرمان فكري )  إذا ما صح التعبير ، أي حجب المعلومة الحقيقية الصحيحة ، وهو أقسى أنواع الحرمان الذي يمارس على الإنسان ، فلمنع مثل هذا النوع من الحرمان كان يجاهد سيد أهل الذكر والإحسان ، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم ، فالسلطة السياسية هي من يقوم بحرمان المجتمع من معرفة الحقائق وجواهر الأفكار التي لا تتضح ولا تتبلور ولا ترسخ في الأذهان إلا من خلال الممارسة والتطبيق العملي للإيمان لمعايشة عقيدة التوحيد ، فهي ليست نظرية حدودها الشكل والمظهر والمسجد وكما يتوهم علماء السلفية السلطانية ، فالسلطة التي تمارس جريمة الحرمان الفكري على المجتمع كمن يقوم بتغطية شعلة الشمعة ليحرم الأعين من نورها حتى لا ترى الأشياء ، أو كمن يقوم بتغطية نور التجارب عن العقل ليجعله عقلا مظلما ، وهكذا تغيب عن الأفهام  حقائق الأشياء وجواهر الأفكار .

 

وجريمة ( الحرمان الفكري والتضليل ) التي تمارسها سلطات القهر والغلبة على الناس يجب أن تواجه من قبل الفقهاء والعلماء وطلبة العلم والمفكرين وأهل الهمة المخلصين بعملية ( تأمين فكري ) مباشر شامل يتناول جميع مناحي الحياة حتى يتم تحرير العقول المحاصرة والمغيبة وتنويرها والارتقاء بها ، وهذا هو هدف المجاهد العالم العارف بحقيقة الأشياء وهو المثابة الأولى نحو التحرير والتحرر والخلاص من الطاغوت . قال تعالى قال تعالى ( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (52) ) ( الفرقان ) ، " به " أي بالقرآن وبالبيان .

 

ولو تأملنا في واقعنا السياسي سنجد بأن كل سلطة لها أسلوبها الخاص في ممارسة عملية التكفير أي الحجب والستر والتغطية ، ومع اختلاف الأساليب أو الصور والأشكال ، إلا أن النتائج ستكون واحدة عندما تغطى وتستر القيم والمبادئ والمفاهيم والأنوار وجواهر الأفكار التي من المفترض أنها تنير حياة المجتمع كما تنير الشموع الغرفة المظلمة وكما تنير نتائج التجارب العقول المظلمة ، وكل مجتمع تعمه الفوضى وينتشر فيه الفساد بالرغم من وجود مجلس منتخب سيكون ذلك بسبب الممارسة الخاطئة للسلطة وفساد منهجها وأهدافها لأنها تستخدم مجلس النواب أو الشورى ومن فيه في عملية التكفير والستر والحجب والتغطية أيضا ، فالحل ليس بوجود مجالس النواب أو الشورى مع فساد السلطة ، بل يجب أن تسير تلك المجالس المنتخبة في خط متواز مع صحة وسلامة المنهج الذي تسير عليه السلطة و وضوح وصحة الرؤية والهدف للجميع .

 

فإيتاء الزكاة وإقامة العدل والمساواة وتكافؤ الفرص ونشر الحرية والمشاركة السياسية الحقة العادلة ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب كلها شموع تضيء حياة الناس لو أشعلت مشاعلها في المجتمع ، وهذا يفسر تقدم الغرب الذي أخذ ببعض تطبيقات المظهر الاجتماعي للعبادة وبحسب فهمه وتصوره لها عوضا عن تطبيقات المظهر الكوني بإطلاق البحث العلمي وهو جوهر الإسلام ، في الوقت الذي أبعدت تطبيقات المظهر الاجتماعي وبحيل فكرية وسياسية من حياة مجتمعاتنا الإسلامية والعربية عدى تعطيل البحث العلمي .

 

فإذا كان الغرب ( كافرا ) لأنه لا يؤمن بخبر الوحي الصادق - الكتاب والسنة - فنحن إذن ( دبـل كفار ) إذا ما صح التعبير ، وبحسب واقع الحال ، لأننا أمنا بالكتاب والسنة باللسان فقط واتجهنا لإبراز المظهر الشعائري والصور والأشكال وانشغلنا بالسنن المظهرية والشكلية ولم نطبق الجوهر وما يقتضيه الإيمان ، بل ذهبنا لنغطي الجوهر وبتفنن وحرفية ، فحتى نتائج التجربة الذي أثبتت التأثير الإيجابي لتطبيقات العدل والمساواة وإشاعة الحرية وتكافئ الفرص والصدق والوضوح ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب عملنا على تكفيرها وتغطيتها بحيل فكرية وسياسية وبقيم مختلفة وبأعذار وبمبررات واهية متنوعة ، بل حتى ذلك الرجل المناسب تم ردمه وطمره ودفنه في المجتمع وأصبح تحت الركام مع ما تم تغطيته وحجبه وستره ، فكيف لا نصبح فتنة للذين كفروا ؟ ! ، وكيف لا يعجبون بأنفسهم ونحن على هذا الحال من التخلف والانحطاط ؟ وأي رسالة سنبلغ .. وأي دين ؟ رسالة القهر والتسلط والاستبداد .. أم رسالة الكذب والدجل والنفاق ودين الحكام والسلاطين . قال تعالى ( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم (5) ) ( الممتحنة )  .

 

فمن يكفر ويغطي جواهر وأنوار خبر الوحي الصادق عوضا عن نتائج التجارب الإنسانية ألا يستحق أن نصفه بأنه يمارس التكفير والستر والحجب المزدوج ؟ ، فكيف لا يكون في القاع وفي مؤخرة الأمم ؟ ‍وعلماء السلطة الذين يشرفون على هذا الإجرام والشذوذ ، ألا يستحون بدعائهم لله جل شأنه أن ينصرهم على  عدوهم ؟ !، ينصرهم على ماذا ؟ .. ولماذا ؟ وما هي المناسبة ؟ من أجل طول اللحى أم من أجل قصر الأثواب ومظاهر الورع والخشوع ، فعدوهم الأول هي سلطة القهر والغلبة ، فهي من يكبل الأمة ويعبث بمقدراتها ويحرمها من حقوقها وضرورات حياتها الإنسانية ، وهي من يحرمها من ممارسة دورها الريادي في الحياة وتبليغ الرسالة من خلال تجسيدها على أرض الواقع .. ألا يعلمون بذلك ؟ ! ألا يقرؤون الواقع ؟ فكيف ينصرهم على عدوهم وهم يسبحون بحمده ويدعون له في الليل والنهار ؟ ما هذه الازدواجية.. وما هذا الخرف ؟ أدعو عليك وأدعو لك في نفسك الوقت ! ، هنا يتبين لنا الاضطراب والخلل والتخبط الذي أصبح من سمات عالم السلطة  ، فهم – وكما يبدو – لا يعيشون تفاصيل الحياة بوعيهم الكامل ، فهناك خلل ما أصاب عقولهم ومداركهم ووعيهم بما حولهم ، فهم حتى هذه اللحظة لم يستوعبوا هذا التطور والانفتاح ولم يطلعوا على حال وأحوال الأمم الأخرى والتقنية والتكنولوجيا التي أصبحوا يمتلكونها والأمة مكبلة لا تقوى على الحركة والتفاعل والتواصل مع الآخرين .  

 

وعلماء السلطة ، ألم يسألوا أنفسهم إذا ما أراد الله جل شأنه أن يستجيب لدعائهم ، فعلى أي أرضية ستنزل الاستجابة ؟ ، على أرضية الكفر والدجل والكذب والنفاق أم على أرضية الخضوع والخنوع والركوع لسلطات القهر والغلبة ، ألا يجب أن تمهد الأرضية الاجتماعية والسياسية لاستقبال النصرة الربانية من خلال العمل الصالح الصحيح الذي يرضي الله عز وجل ؟ .

 

فبعض الأعراب من شدة كفرهم ونفاقهم وباسم تطبيق الشريعة تجدهم يضخمون المظهر الشعائري للعبادة ويبرزون بعض النشاطات والصور والأشكال والشعارات الإسلامية ويستخدمونها في تغطية وستر المظهر الاجتماعي والمظهر الكوني وجوهر الإسلام ، فهم يبرزون المظهر ويغطون الجوهر ، بل هم يمتهنون ويتفننون في استخدام آيات الله جل شأنه ويتجرءون عليها ويستعملونها في تغطية الحقائق وجوهر الدين .

 

قال تعالى ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم (97) ( التوبة )

والأعرابي الذي مرد على النفاق أو شديد الكفر والنفاق عقلية ، فهي عقلية تجدها في كل زمان ومكان قد يسكن صاحبها البادية وقد يسكن المدينة ، وهي عقلية تشكل خطرا على علوم الدين ، بل تشكل خطرا على الجنس البشري برمته إذا ما حكمت وتسلطت على الناس ، ويتصف أصحاب تلك العقلية بصفاقة الشخصية وضحالة الثقافة وضيق الأفق واضطراب معايير السلوك ، فقد يُستخدم كبر السن والهيبة والوقار الذي يصحبه والسنة المظهرية ونصوص الدين في عملية تكفير وتغطية وستر الحقائق ومفاسد وجرائم سلطة القهر والغلبة والاستبداد ، فتلك العقلية تستخدم المكر والحيلة دون ضوابط وحدود والأمر مفتوح  بالنسبة لها مثل الصحراء المفتوحة المترامية الأطراف ، وهي العقلية المتصحرة المظلمة التي تبدت وأصبحت عمليا بعيدة كل البعد عن عيـن الحياة .. عن منبع النور والحياة للقلب والعقل ، ألا وهو الذكر الحكيم .  

 

 

السلفية السلطانية : هي المدرسة التي أوَّلَت وبَدَّلَّت نصوص الدين وغضت الطرف عن بعضها وجعلت القرآن عضين ، وهي التي طمست جواهر الأفكار لكي تجعل النص الديني في خدمة سلطة القهر والغلبة ، وسميت بالمدرسة السلفية على أساس أن فهم علمائها هو فهم السلف الصالح وكما يدعي أتباعها ، والسلف الصالح - رضوان الله عليهم - بريئين من فهم من أسس تلك المدرسة المضللة التي تشكل خطرا على ارتقاء وبقاء الجنس البشري ، وأتباع تلك المدرسة انقسموا على أنفسهم بين ثائر مكفر.. وحائر يعيد النظر ويقلب الأمور ويبحث ويتأمل ويتفكر .. ومستسلم خائر يدافع عن كل فاجر ، وهذا الانقسام حدث بسبب تقدم الزمن وتطور آلياته ونظمه ومناهجه وبرامجه وتغير موازينه ومقاييسه الفكرية والعقلية وبسبب مسؤولية تلك المدرسة عن انحدار الأمة وتخلفها واستعدائها للآخرين ، فعلى هذا الأساس ثار بعض أتباعها وأحتار آخرين وبقى البعض الآخر في خدمة الحكام والسلاطين باسم الحفاظ على الدين ، فاستمرار القهر والظلم والاستعباد والاستبداد وتكبيل الأمة أصبح بالنسبة لهم .. هو الدين . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . حقا ليس بعد العقل إلا اللاعقل .

 

قال تعالى ( وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار(42) ) ( الرعد )

 

فيا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، دين الحق والعدل والصدق والوضوح والشفافية والمساواة والحب والتسامح والوسطية والحرية .. دين الإيمان والعلم والعمل والعبادة .  

 

قال تعالى ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (256) ( البقرة )

 

جزى الله خيرا من عمل على توسعة أفق الناس وتوعيتهم من سباتهم العميق ومكنهم من التأهب والاستعداد للحاق بركب النهضة الإسلامية الإنسانية الحديثة من خلال توزيع وترجمة هذه الدراسة المختصرة . قال تعالى ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ) ( الأحزاب ) 

 ومن أراد الاستمرار في امتهان واحتراف تغطية وتكفير وستر الحقائق فهو حر في ذلك ، فلا إكراه في الدين ، قال تعالى ( قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) ) ( الإسراء ) .

 وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

 

محمد العلي -  21 / 2 / 2005

 شبكة الفرسان: نحن نؤيد الكاتب حفظه الله في طلبه ونقول لزوارنا الكرام نرجوا منكم التكرم بنشر مثل هذه الدراسة على مواقعنا ومنتدياتنا العربية والإسلامية فإن لها فائدة عظيمة واجركم على الله عز وجل.