|
|
||
|
رسالة إلى نظيرنا في الخلق
قال أمير المؤمنين وباب مدينة العلم سيدنا علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ، " الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق " . إنها مسؤولية كبيرة وأمانة ثقيلة تلك التي يحملها الإنسان المؤمن ، مسؤولية تبليغ الرسالة الربانية للآخرين .. مسؤولية تبليغ الحقيقة .. مسؤولية التأمين الفكري .. مسؤولية إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن الله .. مسؤولية تبليغ وتذكير الأخ وتبليغ وتعريف النظير والنصح لهم . فالإنسان إن لم يكن أخ في الدين فهو نظير في الخلق ، والمسلم المؤمن العالم العارف بنظم وقوانين الخلق مطالب ومأمور بتبليغ النظير ، "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ " ( الترمذي ) ، فتبصير الناس بالحقائق مسؤولية كبيرة يتحملها كل مؤمن ومؤمنة . ومشكلتنا في هذا الزمان هو استمراء واستسهال الكذب على الله ورسوله من قبل البعض ، وهذا الأمر زيف حقيقة البيان الرباني وشوه حقيقة الصور والمعاني وعطل وصول الرسالة الربانية للآخرين ، بل عطل رسالة الدين في الإصلاح ، وذلك يحدث بواسطة الحكومات التي تحكم الدول الإسلامية ، وخاصة تلك تدعي تطبيق الشريعة الإسلامية . فنظيرنا في الخلق - وفي الواقع - لم يعد يعرف حقيقة الإسلام بسبب هذا التدليس والتزييف والكذب والنفاق والدجل التي تمارسه تلك الحكومات التي تدعي تطبيق الإسلام والشريعة الربانية ، ونظيرنا في الخلق بات يعتقد بأن الإسلام يدعو إلى الظلم والقهر وكبت الحريات ومصادرة حقوق الآخرين وحرمانهم من ضرورات الحياة الإنسانية وعلى رأسها المشاركة السياسية وإثبات الذات ، وهو قد يعذر في ذلك لأنه يرى من هم محسوبين على العلماء والفقهاء يثنون على جهود تلك الحكومات في نشر رسالة الإسلام ! .. وكما يزعمون ، فرسالة الإسلام بالنسبة لهم أصبحت مصحف يطبع ويوزع أو أموال تنفق أو بناء يشيد أو محفوظات تلقى على أسماع الآخرين ، وتجاهلوا حقيقة رسالة الإسلام الخالدة التي حررت الإنسان وأخرجت الناس من عبادة الأشياء والعباد إلى عبادة رب الأشياء والعباد . يا نظيرنا في الخلق .. ليس لنا إلا أن نعتذر عن تقصيرنا ونسأل الله تعالى أن يعافينا ويعفوا عنا ، فنحن لا نملك إلا الحديث والكتابة لك والله أعلم بقدرتنا وإمكاناتنا .. ونسأل الله أن يتقبل منا عذرنا ، فنحن لا نستطيع تجسيد الرسالة الربانية على أرض الواقع لكي نعينك على رؤيتها والتعرف عليها إلا من خلال سلوكنا كأفراد ولا نملك تجسيدها كمنهج ونظام وكيان سياسي ، فهي والله الذي لا إله إلا هو رسالة متكاملة جامعة شاملة بديعة أنزلها بديع السماوات والأرض ، فالقصور ليس بالرسالة والمنهج بل بمن ورث الرسالة والمنهج وتصدر لحملهما ، والرسالة ليست كما تعتقد وكما صور وظهر لك في بعض الدول الإسلامية التي تدعي حكومتها تطبيق الشريعة وهي تمارس الخديعة .. فالأمر يختلف ، فرسالتنا تدعو إلى العدل والإحسان والمساواة كما تدعو إلى الحرية والوسطية والوضوح والشفافية والتسامح والتكافل والإيثار والتعاون وهي تدعو إلى كل فضيلة وتنبذ كل رذيلة ، فرسالتنا تجعل الإنسان سيد الكائنات في هذا الكون المترامي الأطراف كما تجعله يستشعر بقيمته وبإنسانيته وبمكانته في الوجود ، ولكن ... وكما ترى .. أصبح الإنسان أسوأ الكائنات بعد ما حكم بأسوأ المناهج والنظم وأرذلها . يا نظيرنا في الخلق .. لم لا تحاول الفرار من قدر إلى قدر ؟ ، لم لا تحاول اكتشاف آفاق أخرى أرحب وأوسع لكي تتعرف على جواهر الأفكار حتى تقوم وتصحح مسيرتك في الحياة ؟ ، لم لا تحاول أن تتعرف على الحقيقة الغائبة ، حقيقة الإسلام ؟ ، إن الجنس البشري ينحدر ويباد وأنت تقف موقف سلبي دون حراك ، فقد يأتي الدور عليك .. أو على أبنائك وذريتك من بعدك ، وقد تكون تستخدم في ارتكاب تلك الجرائم الوحشية بسبب سيطرة أعداء الدين والإنسانية على قلبك وعقلك وعلى مدركاتك الحسية وعلى مقدراتك ومواردك ، انتبه .. إنك حتماً ستسأل عن ذلك ، فلا تكن أداة في يد الأشرار والفجار وطالبهم بتفسير واضح وبحجة قوية تقدمها عندما يسألك الله جل شأنه عن ذلك ، فهناك جنة سيتمتع بها الأخيار الأبرار وهناك نار ستحوي جميع الأشرار والفجار ، فهذا هو المصير الموعود وتلك هي الحقيقة ، فأنت ليست آفة أو دودة من ديدان الأرض ستنتهي دورة حياتها على الأرض ، فهناك حياة أخرى أبدية خالدة لا موت فيها ، فكن مع الأخيار الأبرار ولا تكن مع الأشرار والفجار . يا نظيرنا في الخلق .. اسأل عن حقيقة نظم وقوانين الخلق في النشأة والحياة والمصير ، اسأل عن الحقيقة الغائبة ، اسأل عن حقيقة الإسلام . قال تعالى ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) ) ( آل عمران ) . يا نظيرنا في الخلق .. ليس لنا إلا أن نشهد من صالحك إذا ما سألنا الله عن ذلك .. وهذا من حقك علينا ، فالله حق ويحب الحق ، فنحن من جعلنا الله أمة وسطا لنكون شهداء على الناس ، قال تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا... ) ( 143 ) ( البقرة ) فنحن نعلم الحقيقة ولا زلنا نشاهد ما يجري من ظلم تجاهك ، نعم ... نحن نعلم بتأثير تجسيد العقيدة والفكرة على فهمك وتصورك ورؤيتك ومشاعرك وعلى مسيرك في الحياة ، كما نعلم بتأثيرها على القلب والعقل وعلى المدركات الحسية ، فأنت لم تشاهد وترى الإسلام على حقيقته ولم تتعرف على كامل العقيدة والفكرة .. ولم يتسنى لك ذلك ، بسبب هذا الكم الهائل من التدليس والتزييف والكذب والدجل والخداع الذي يتم من قبل الذين يسيطرون على التربية والتعليم والإعلام والمنهج السياسي العام في العالم الإسلامي ، وأنت لم تجد من يعلمك ويفقهك بالدين ، وقد تكون لم تبلغ بذلك ولم تسمع عن شيء أسمه الإسلام ، فإذا كان المسلمين لم يعودوا يعرفون حقيقة دينهم وعقيدتهم فما بالك بالآخرين ؟ حقيقة تطبيق الشريعة والكفر والتكفير والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...الخ ، حقيقة حقوق الإنسان في الإسلام ، فكيف لا نشهد بذلك ؟ ، فأنت في الوقت الحاضر تتعرض إلى أقسى أنواع الحرمان .. وهو ( الحرمان الفكري ) ، لأن من يحكم بلاد المسلمين يغطي الحقائق ( covering the facts ) ، والله على ما أقول شهيد . وعلى كل حال لا تحزن على ما فاتك .. فأنت ستقف بين يدي من لا يظلم الناس شيئاً ، فهو وحده من يعرف ما كان وما سيكون وما لو كان كيف سيكون ، وهذا هو عزائك الوحيد ، علم الله الواسع وعدله ورحمته وإحاطته بكل شيء ، فهو جل شأنه يعرف من خلق وهو اللطيف الخبير .. وهو أعلم بالمهتدين وهو أعلم بالأبرار وبالأشرار المجرمين ، وهو الهادي الودود . قال تعالى ( إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) ) ( يونس ) . محمد العلي |
||